فهرس الكتاب
وأضيف أن هذا التوجه وتطبيقاته هي الأخطر في العالم العربي الإسلامي في العصر الحاضر، ذلك أن الاستعمار حينما رحل عن البلاد العربية الإسلامية حرص على أن يترك الأمور في أيدي هؤلاء من أتباعه. كما أنه حاول بعد رحيله أن يكون لهم تأثير في السيطرة السياسية والفكرية والثقافية في العالم العربي الإسلامي. ومن مظاهر قوة نفوذهم في العالم الإسلامي أنهم يهيمنون على كثير من منابر الإعلام والتوجيه والرأي. كما أنهم يعقدون الندوات والمؤتمرات الخاصة بهم التي من الصعب أن يقتحمها أحد غيرهم. ومن الأمثلة على هؤلاء مؤسسة التميمي بتونس ( [12] ) ومؤسسة الأهرام بمصر، ومؤسسة ابن خلدون الإنمائية التي أسسها سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكية في القاهرة. ( [13] ) وهذه المؤسسات تتلقى دعماً سخياً من المؤسسات الغربية مثل مؤسسة فورد (الأمريكية) ومؤسسة اديناور كونراد (الألمانية) وغيرها من المؤسسات.
ومن مظاهر سطوة هذا التوجه الاستشراقي أن معظم الدول العربية الإسلامية جعلت الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسة في تشريعاتها وليس المصدر الرئيس. وقد صرحت عدة دول إسلامية بأنها علمانية ومن هذه الدول تركيا وإندونيسيا وتونس. والعجيب أنها علمانية تختلف عن علمانية الغرب؛ فالعلمانية في الغرب تفصل بين الدين والدنيا ولكن علمانية من تعلمن من المسلمين هي محاربة الدين الإسلامي بل وصل الأمر ببعضهم إلى المناداة بتجفيف منابع التدين. مع أنه في العلمانية الغربية يعد الدين مسألة شخصية لا يضار أحد بسبب تدينه. بل يشهد الغرب في السنوات الأخيرة دعوات جادة وقوية للعودة إلى الدين حتى إن التجمع البروتستانتي في الولايات المتحدة الأمريكية يعد من أقوى التجمعات السياسية هناك.
ومن الأمثلة المؤلمة في العصر الحاضر أنه بعد أن سقطت الشيوعية تنادى الشيوعيون السابقون إلى التمسك بالعلمانية والعقل وظهر مثل هذا في محاربة الحركات الإسلامية أو الدعوات الإسلامية التي تدعو أبناء الأمة الإسلامية العودة إلى الهوية الإسلامية ونبذ الانحرافات العقدية والسلوكية والاستقلال عن التشبه بالغرب والذوبان في الثقافات الأخرى. ويعد نموذج تركيا والجزائر ومصر من الأمثلة التي تواصل العلمانية فيها محاربة الاتجاه الإسلامي بشتى الوسائل ويتنادى المستشرقون بتأييد هذه الاتجاهات العلمانية فيهتمون بهؤلاء من أبناء العالم الإسلامي. فالجامعات الغربية والندوات والمؤتمرات الغربية مفتوحة لهؤلاء وكذلك الصحف ووسائل الإعلام الغربية. فمن المحاضرين الذين يترددون إلى الجامعات الغربية صادق جلال العظم -الذي يعلن بصراحة إلحاده - ومحمد سعيد العشماوي، ونصر حامد أبو زيد، ونوال السعداوي، وعزيز العظمة، ورفعت حسن (الباكستان) وفضل الرحمن (باكستان) وفؤاد عجمي ومسعود ضاهر (لبنان)
ثالثاُ: شمولية الظاهرة الاستشراقية
المقصود بالشمولية احتواء الظاهرة كظاهرة فكرية لكل مجالات المعرفة الشرقية، فهي ظاهرة علمية تحتوي الشرق عامة وليس الشرق الإسلامي فقط، فدراساتها تغطى الهند والصين واليابان وغيرها فضلاً عن تغطيتها للعالم الإسلامي. فهي إذن تحتوي معرفياً الشرق كله.
ومن مظاهر الشمولية أيضاً تغطيتها لكل مجالات المعرفية الإنسانية المرتبطة بالشرق. فهي تغطي المجالات الدينية والسياسية والتاريخية والاقتصادية والجغرافية والاجتماعية والأخلاقية والأدبي والعلمية والفنية للشرق وغيرها. ولم يُبْق الاستشراق شيئاً شرقياً إلا درسه.
وفي زيارة لي لعدد من أقسام الدراسات الشرق الأوسطية أو معاهد الدراسات الشرق أوسطية أو مراكز البحوث أو المعاهد في الجامعات الأمريكية في صيف عام 1416 (1995) وجدت أن العالم الإسلامي (الشرق الأوسط) يدرس في جامعة كاليفورنيا بفرعها في مدينة بيركلي من خلال ثمانية عشر قسماً يقوم بالتنسيق بينها مركز دراسات الشرق الأوسط وأذكر فيما يأتي بعض الأقسام التي تدرس العالم الإسلامي: علم الإنسان (الأنثروبولوجي) ، والاقتصاد، والسياسة، ودراسات المرأة في الشرق الأوسط، والزراعة، والتعدين، والجيولوجيا، والعمارة، والأدب والتاريخ، ومقارنة الأديان ...ويمكن أن أضيف إلى ذلك الفولوكلور واللهجات العامية أو اللغات العامية، والغناء والرقص والطعام والشراب حتى الخرافات والأساطير وغيرها مما يمكن أن يوجد في العالم الإسلامي فإنه يُدْرس في الجامعات الغربية. وقد استحدثت جامعة نيويورك دراسة الصحافة والشرق الأوسط فيتخصص الباحث الغربي في الصحافة ويطبق ذلك على العالم العربي الإسلامي. وبعض هذه التخصصات قد استحدثت من أجل إيجاد وظائف للمتخرجين فيها؛ فهم قوم عمليون. ولا بد أن أضيف أن هذه الأقسام تعتمد في الحصول على مادتها العلمية ومصادرها التي يمكن أن يصعب على الغربيين الحصول عليها فإنهم يحصلون عليها من أبناء المسلمين الذين ذهبوا للدراسة في هذه الجامعات للحصول على الدرجات العلمية وبخاصة الدراسات العليا.
رابعاً: تعدد أهداف الظاهرة الاستشراقية