فهرس الكتاب
وقد تطورت المدرسة النصرانية وجمعت بين هذين الهدفين وبين هدف آخر انفردت به عن المدرسة الأخرى وأدى إلى تطور نوع جديد من الاستشراق هو"الاستشراق التنصيري". فمن المعروف أن النصرانية تدعي العالمية وتسعى إلى الانتشار في كل العالم، فاستغلت المعرفة الاستشراقية من أجل تيسير التنصير ومد المنصِّرين بالمعلومات الضرورية عن المجتمعات المستهدفة بالتنصير، وهي تغطي العالم كلِّه، فظهر فريق من المستشرقين النصارى المهتمين بانتشار النصرانية، واشتغل بالاستشراق من أجل الحصول على المعرفة الخاصة بالمجتمعات الشرقية، كما أن الحركة العلمية التنصيرية لا تتوقف عند معرفة الشرق فقط، ولكنها تدرس كل المجتمعات في الشرق والغرب من أجل تقديم النصرانية إليها. ويصح أن نطلق على هؤلاء النصارى الغربيين العاملين في مجال التنصير في البلاد الإسلامية وغيرها من الشرق اسم المستشرقون المنصرون لأن الهدف من استشراقهم هدف ديني تنصيري. وقد ارتبط الاستشراق التنصيري بالتعليم فقد أسست المؤسسات الكنسية المعاهد والجامعات في العالم العربي الإسلامي ومن هذه المؤسسات التي ما تزال قائمة حتى الآن الجامعة الأمريكية في القاهرة وفي بيروت وفي استنبول وفي دبي، بالإضافة إلى المعاهد الأخرى. وقد أسهمت هذه الجامعات في تخريج أعداد من الطلاب العرب المسلمين الذين تسنموا مناصب مهمة في بلادهم.
ونظراً لأن الاستشراق له أهداف فكرية يسعى إلى تحقيقها ومن أهمها نشر الفكر والثقافة الغربية في بلاد الشرق، وتحقيق تغريب الشرق وربطه بالحضارة الغربية نشأ استشراق يمكن أن تسميته"الاستشراق الفكري"وهو يخدم - في المقام الأول- الفكر الغربي ويسعى إلى نشر قيم الحضارة الغربية. ولم يقتصر هذا الاستشراق على البحوث الأكاديمية فقد انضم إلى الجامعات وسائل الإعلام المختلفة من صحافة وتلفاز وسينما. وأخيراً جاء البث المباشر الذي تولى كبره بعض المؤسسات العربية الإسلامية وأخذت تروج للثقافة الغربية وفي الغالب تروج لأسوأ ما في هذا الثقافة حيث تحرص على تسطيح الفكر وإشغال الناس بالتفاهات من الأمور. وقد ظهر هذا الاستشراق مع انتشار الاستعمار في الشرق .
وارتبط بالاستشراق السياسي نوع من الاستشراق يسعى إلى الحصول على المعلومات الاقتصادية عن البلاد المستعمَرة والمساعدة في فتح أسواق جيدة للمنتجات الغربية من خلال دراسة السوق الشرقي. فتطور الاهتمام بالموضوعات الاقتصادية ومع انحسار الاستعمار ظهرت وظيفة جديدة تمثل امتداداً لهذا الاهتمام الاقتصادي في الحقبة الاستعمارية وهي وظيفة الخبير الاقتصادي في العصر الحاضر، وهو يعمل لدى الحكومات الغربية وبخاصة في وزارات الخارجية والاقتصاد، ويتخصص الباحث منهم في بلد شرقي ليقدم المعلومات والدراسات اللازمة في الناحية الاقتصادية.
وتوجد هذه الوظيفة لدى الشركات الكبرى الغربية الاقتصادية التي تعتمد على السوق الشرقي، أو تعمل في مجالات اقتصادية مرتبطة ببعض الشعوب الشرقية مثل شركات البترول العالمية، وشركات السيارات، والأجهزة الإلكترونية ...الخ، حيث يتوفر لديها الخبراء الاقتصاديون المتخصصون. ومن الجهات التي تهتم باقتصاد العالم الإسلامي بعض البنوك العالمية مثل البنك السويسري، وبنك لويد وبنك تشيس مانهاتن وغيرها. ومن المعروف أن بنك سويسرا يصدر تقريراً شهرياً عن أوضاع الدول الإسلامية المختلفة ولا يهتم بالاقتصاد وحده بل يقدم معلومات عن الأوضاع السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية والاقتصادية.
بالإضافة إلى هذه الأنواع من الاستشراق المرتبطة بالأهداف المعروف: علمية وسياسية ودينية و اقتصادية فهناك نوعان من الاستشراق يعبران عن مناحي أدبية وفنية تبلور عنها ما يعرف ب"الاستشراق الأدبي والفني"حيث تخصص بعض المستشرقين في الآداب العربية والإسلامية كما تخصص بعضهم في الفنون الإسلامية، وقد تميزت هذه النوعية من المستشرقين باندماجها الشخصي ورغبتها الذاتية في تثقيف نفسها -أدبياً وفنياً- والرفع من درجة تذوقها للآداب والفنون الغربية من خلال إدخال موضوعات شرقية -أدبية وفنية- في الأدب والفنون الغربية.وقد تجاوز تأثيرهم الجانب الذاتي أو الشخصي إلى التأثير العام في الحركة الأدبية والفنية في الغرب، وكانت النتيجة ظهور أدباء وفنانون غربيون لا يعملون بالاستشراق أصلاً، ولكنهم تأثروا بالموضوع الشرقي من خلال الاستشراق الأدبي والفني فطوروا فناً غربياً يخلط بين الأذواق الشرقية والغربية، أو يستفيد من الموضوع الشرفي في ترقية الفنون الغربية .