فهرس الكتاب

الصفحة 10393 من 27364

والحقيقة أن هذا المجال- الأدبي والفني- يعدّ أكبر مجال متأثر بالثقافة الإسلامية الأدبية والفنية، فقد دخلت الموضوعات الإسلامية بدون حساسية في بنية الأعمال الأدبية والفنية، وحدث توجه شامل للحركة الأدبية والفنية إلى الموضوع الشرقي بعامة، والإسلامي بخاصة. والسبب في حدوث هذا التأثير الشرقي على الفكر الغربي هو بعده عن أمور الدين والعقيدة، وكونه موضوعاً فنياً لا يحدث من خلاله تأثير عقدي أو ديني على الإنسان الغربي. وقد أطلق على هذا النوع من الاستشراق بالاستشراق الأدبي أو الفني، وهو مجال مهمل في الدراسات الاستشراقية عند المسلمين الذين انشغلوا بقراءة الأعمال الاستشراقية الدينية والعقدية للدفاع عن الإسلام والرد على الشبهات، ودفع التأثير الاستشراقي في مجال الدين.

أما الاستشراق الأدبي والفني فيمثل تأثيراً مضاداً أو عكسياً فالمؤثر هو الإسلام وموضوعاته بتراثه الفني والأدبي. والأمثلة على ذلك تتضح في التأثير الكبير لقصة"ألف ليلة وليلة"و"كليلة ودمنة"، والملاحم والسير العربية الإسلامية والشرقية، وعناصر أخرى من التراث الشعبي على الأدب الغربي، وكذلك تأثير الموضوعات والأشكال الفنية الشرقية على الفنون الغربية الذي سيطر على الحركة الفنية في الغرب لفترة من الزمن. ( [16] )

ويمكن أن نضيف اهتمام الغرب بفن العمارة الإسلامي وأنهم بلا شك أفادوا كثيراً من فن العمارة الإسلامي، وما زال هناك اهتمام بالعمارة الإسلامية في الدراسات العربية والإسلامية في الغرب ضمن أقسام الهندسة المعمارية أو أقسام العمارة أو أقسام الفنون الجميلة. وسوف تكون إحدى ندوات مهرجان الجنادرية الذي يقيمه الحرس الوطني لعام 1417 ندوة حول تأثير فن العمارة الإسلامي في العمارة الغربية ويشارك فيها الأمير تشارلز ولي العهد البريطاني.

ولكن لهذا الاستشراق جانب سلبي ربما طغى على ما تقدم من الجوانب الإيجابية وهو أن الاهتمام بألف ليلة وليلة على ما فيها من قصص مجون وفجور ألصقت بالإسلام زوراً وبهتاناً فالإسلام دين العفة والطهر، ويحارب الرذيلة والفسق والفجور. ومن جناية هذه القصص أنها أقحمت اسم الخليفة العظيم هارون الرشيد في هذه القصص، مع أن هذا الخليفة كان من أبعد الناس عن المجون واللهو؛ فقد كان يحج سنة ويغزو سنة، كما كان يصلى كثيراً من النوافل وقد اهتم بالعلم والعلماء.

ويتركز الاهتمام المعاصر بالآداب العربية الإسلامية في الاهتمام بالكتاب والأدباء العرب المسلمين المتأثرين بالفكر الغربي. فها هو نجيب محفوظ ينال جائزة نوبل لأنه ثبت تبنيه للفكر الغربي، كما أنه كتب في بعض رواياته يتجنى على الحركات الإسلامية في مصر وعلى العقيدة الإسلامية. وانظر إلى المؤسسات والمعاهد الأدبية والغربية تهتم بمن يزعم أنه كاتب مثل محمد شكري صاحب كتاب (الخبز الحافي) وغيرهم. ومن الأمور الطريفة التي وجدتها في نشرات مركز دراسات الشرق الأدنى والأوسط بجامعة لندن (مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية) اهتمامهم بنوال السعداوي وعبد الرحمن منيف ومحمد شكري وفاطمة مرنيسي وغيرهم. ولدى مراجعة نشاطات رابطة دراسات المرأة في الشرق الأوسط التي تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقراً لها تهتم بالأدباء والكتاب المتغربين ،وتعلي من شأنهم وتفسح لهم المجال في المنتديات الأدبية في الغرب. ولو كان هذا الاهتمام إيجابياً كما أشار الدكتور خليفة فلماذا لا تتم ترجمة كتابات كتّاب مثل على أحمد باكثير أو محمد صادق الرافعي أو نجيب الكيلاني وغيرهم. فهم لا يهتمون الاهتمام إلاّ بمن كان متأثراً بهم. فقد جاء وفد مؤسسة مالوني وهم مجموعة من أساتذة الجامعات الأمريكية لزيارة المملكة العربية السعودي للتعرف على هذا البلد معرفة أولية فكان ممن اهتم بمقابلته الكاتبة رجاء عالم، ومحمد على قدس (أمين سر نادي جدة الأدبي) وغيرهما. وأتساءل لماذا لم يحرصوا على الالتقاء بأصحاب الاتجاه الإسلامي الرصين المعتدل وهم الغالبية في هذا البلد الطيب؟

خامساً: اتساع دائرة التأثير الاستشراقي.

من خصائص الظاهرة الاستشراقية أنها على الرغم من أنها ظاهرة فكرية غربية ، فقد اتسع مجال تأثرها لكي تصل إلى الشرق والغرب معاً. وعادة ما يظن أن التأثير الاستشراقي محصور في الشعوب الشرقية لكن الحقيقة أن الاستشراق له تأثيره الكبير في الفكر الغربي نفسه، وبهذا ينفرد الاستشراق كظاهرة في مسألة شمولية التأثير وتغطية العالم بأسره.

أما بالنسبة للتأثير الاستشراقي في الغرب فيتضح في الأمور الآتية:

1-إن الاستشراق مسؤول عن نقل المعرفة الإسلامية والشرقية -عامة- إلى الغرب الذي أفاد من هذه المعرفة حيث عكف المستشرقون على ترجمة النصوص الأساسية في الديانات وأيضاً ترجمة النصوص العلمية في العلوم عند المسلمين، وعند أهل الشرق وهي العلوم التي كانت أساساً في النهضة العلمية في الغرب. وهذا يعني أن الاستشراق مسؤول عن نهضة الغرب العلمية وله إسهاماته في تقدم العلم في الغرب من خلال النصوص الشرقية والإسلامية التي ترجمت إلى اللغات الأوروبية قبل عصر النهضة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت