فهرس الكتاب
فمن الناحية النظرية ركزت المدرسة الاستشراقية الصهيونية على عملية"تأصيل الوجود اليهودي في فلسطين على المستوى التاريخي والديني."فصدرت آلاف البحوث المثبتة للحقوق التاريخية لليهود في فلسطين، وتؤكد على الوجود اليهودي المستمر في فلسطين عبر التاريخ، ولا تعترف بالسيادة النصرانية فيها في الفترة من بداية الميلاد حتى ظهور الإسلام، وبالتالي بالسيادة الإسلامية منذ فتحها حتى عام 1948م.
ويتجه هذا الاستشراق إلى تضخيم الوجود اليهودي في فلسطين ومحاولة إثبات"أن اليهود أغلبية فيها."واستخدموا في هذا المجال علمي التاريخ والآثار بتطوير نظريات تاريخية قديمة وحديثة تثبت ذلك، وتنقب عن الآثار المثبتة لذلك، أو تفسر الآثار الموجودة -فعلاً- تفسيراً صهيونياً، يثبت أصالة الوجود اليهودي واستمراريته، وتزيف أحداث التاريخ والآثار لإثبات هدفهم .
وسعى الاستشراق اليهودي على المستوى الديني إلى تأكيد الوجود الديني في فلسطين منذ القدم وحتى الآن، وذلك من خلال الدراسات التي تبرز اليهودية وتجعلها ديانة مستمرة في فلسطين عبر التاريخ وتضعها على المستوى نفسه مع النصرانية والإسلام. بل تظهرها أيضاً في شكل الدين السائد في فلسطين، وأن النصرانية والإسلام لم تكن لهما سيادة دينية بل سياسية.
ويستخدم التاريخ -أيضاً- لتزييف الحقائق الدينية وتأصيل الوجود الديني فيها، وتوظيف علم الآثار لتفسير الأثر الديني الموجود فيها من زاوية تخدم المصالح الصهيونية، والتركيز على أعمال التنقيب، وتطوير النظريات الأثرية التي يقصد منها"تشويه الآثار النصرانية والإسلامية الموجودة في فلسطين."إما باعتبارها منتمية إلى اليهودية أو عن طريق القيام بأعمال تنقيبية تحت وبجوار الأثر النصراني والإسلامي. ومن الأمثلة القريبة على ذلك النفق الذي فتحته دولة اليهود تحت المسجد الأقصى زاعمين أنه نفق قديم لهم وليثبتوا من خلاله حقهم في المنطقة.
ثامناً: ظاهرة فريدة من نوعها وليس لها مقابل في الحضارات الأخرى.
فهي فريدة في تكريس عدد من العلماء لجهودهم العملية في دراسة الشرق ، ولفترة طويلة دون أن تتوقف هذه الظاهرة، وفي الوقت لم تظهر حركة مضادة لها تتولى دراسة الغرب من جانب أهل الشرق. ( [18] )
ويمكن تفسير هذا الأمر من خلال عدة أمور:
1-كان الشرق بالنسبة للغرب مصدراً للحكمة والفكر الديني، وذلك لأن معظم الأديان العالمية الهامة ظهرت في الشرق ( [19] ) ، كما أن ديانات التوحيد ديانات شرقية (شرق أدنى) ، فجمعت منطقة الشرق بين الحكمة العامة والتوحيد والفكر الديني الطبيعي، فلذلك كان الغرب معتمداً على الشرق في فكره الديني، ويلاحظ أن الغرب لم ينتج أدياناً كبرى وإنه في مسألة الأديان تابع للشرق منذ القدم. ( [20] )
وقد عوّض الغرب هذا النقص بالتفوق في مجال الفلسفة، وإن كانت فلسفته هذه متأثرة بالفلسفة الهندية والصينية. فإذاً هناك توجه ديني غربي إلى الشرق دون مقابل معاكس فالشرق هو مصدر الأديان والحكمة.
2-إن الغرب محدود جغرافياً وبالتالي كان الشرق يمثل طموحاته السياسية والاقتصادية، ونحن نتحدث عن الغرب قبل أمريكا واستراليا ، فكان محصوراً في أوروبا، وهي قارة مزدحمة بالدول والقوميات والصراعات، ولذلك كان الشرق يمثل متنفساً للغرب ومحطاً لطموحاته وتوسعاته، فكان موضع طمعهم وغزواتهم. والجيوش الصليبية في العصور الوسطى (الأوروبية) التي سعت إلى فتح أسواق جديدة وتامين أسواق قديمة وحل مشكلات النظام الإقطاعي الغربي الذي ضاق بهم، فاتجهوا إلينا بحثاً عن إقطاعيات جديدة للنبلاء والأمراء. ويضاف إليه الأطماع الاستعمارية الحديثة تجاه الشرق، والتي نتج عنها -في الغرب - اكتشاف العالم الجديد، واستعمار معظم العالم الشرقي.
وهذا الأمر جعل معرفة الشرق مهمة للغرب عبر التاريخ، وأدت إلى الاحتكاك المستمر، وقامت منطقة الشرق الأدنى ( الأوسط) بدور الوسيط الحضاري بين الغرب والشرق الأقصى (الهند) ، وكان الشرق الأوسط يمثل منطقة وسطى يعبر منها الغرب إلى الشرق.
وفي مقابل هذا الاهتمام الاستعماري الغربي، لم يتوفر لدى أهل الشرق الهدف الاستعماري، وإن ظهر هذا الهدف لدى بعض القوى فعادة ما يقف اتساع الشرق حائلاً دون فرض السيطرة على الشرق بأكمله ثم العبور إلى الغرب، فمثلاً غزوات المغول التي أتت من أقصى الشرق، وقبل أن تكمل غزو الشرق كانت قد تحللت وسقطت.
3-تأثير ما يسمى بعض الكشوف الجغرافية، واكتشاف العالم الجديد على تقوية نزعة الغرب الاستعمارية وحب السيطرة فضلاً عن نمو الرغبة في معرفة الشعوب واكتشافها، وإن هذا الاكتشاف دفع الغرب إلى اكتشاف العالم القديم رغبة في استعماره ومعرفة شعوبه دينياً وحضارياً، وحباً في الرحلة إلى الأماكن المجهولة من العالم ودراسة شعوبها ومثل هذا التوجه لم يتوفر لدى الشرق. ( [21] )