ويمكن أن نشير إلى أن الإسلام بانتشاره بين شعوب الشرق أدى إلى تطور حركة هجرة داخلية من البلاد العربية إلى البلاد الآسيوية والإفريقية بهدف نشر الدين في مناطق جديدة، وبعيداً عن النزعة الاستعمارية التي طغت على غزوات الغرب للشرق. وقد تطور عند المسلمين بداية حركة علمية دراسة لشعوب الشرق، خاصة وأن العلم الإسلامي اعتمد منذ البداية على الرحلة في طلب العلم، ولذلك تفوق المسلمون في علوم الجغرافيا والفلك واكتشفوا بلاداً جديدة، ووضعوا جغرافية البلاد الشرقية وعاداتها ودوّنوها في مصادر أساسية في علم جغرافية ودراسة الشعوب إلى يومنا هذا. ولكن هذه الحركة العلمية الإسلامية المكتشفة للشعوب الأخرى ظلت محصورة في إطار الشرق، وبخاصة آسيا وأفريقيا، ولم تدرس من شعوب أوروبا سوى بعض البلاد الأوروبية الشرقية التي تمكن الإسلام من الوصول إليها.
وفي التاريخ الحديث للمسلمين ظهر اهتمام جديد بالغرب وشعوبه وبخاصة عندما أصبح الغرب مصدراً للعلم والمعرفة، فبدأت حركة علمية لا تهدف إلى أخذ المعرفة عن الغرب فحسب بل إلى معرفته ديناً وحضارة. ولذلك يوجد اهتمام إسلامي حديث بالحضارة الغربية ودياناتهم،وبالفكر الغربي والفلسفة، والعلوم، والتكنولوجيا الغربية.
ولكن يلاحظ على هذه الحركة العلمية الإسلامية أنها لا تمثل توجهاً إسلامياً عاماً لدراسة الغرب -كما هو حال الاستشراق - كما أن الدافع إلى دراسة الغرب يخلو من أهداف الاستشراق ومقاصده. كما يلاحظ أن الدراسات الشرقية للغرب دراسات عشوائية غير منظمة، وانتقائية وليس لها هدف واضح ولا تتصف بالشمولية، وضعيفة التأثير في الغرب ولا تستطيع مواجهة الاستشراق كفكر مؤثر في الشرق .
وقد نادى بعض الناقدين للاستشرق بتطوير علم (الاستغراب) ويقصد به (علم يدرس الغرب دراسة شاملة) كما يفعل الاستشراق مع الشرق. ولكن هذا العلم غير موجود ولا يمكن أن ينشأ عشوائياً بلا أهداف، ولا بد من توافر الأسباب المؤدية إلى ظهور الاستغراب حتى يظهر هذا العلم. ( [22] )
-الحواشي:
[1] -أستفدت في إعداد هذه المادة من المحاضرات التي كان يلقيها الأستاذ محمد خليفة حسن أحمد في قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عام 1416هـ
[2] - ساسي سالم الحاج. الظاهرة الاستشراقية. ( مالطا: مركز دراسات العالم الإسلامي ) 1990. مجلدان في أربعة أجزاء.
[3] -الحاج ، مرجع سابق م1 ،ص 19 وما بعدها.
[4] - أبو بكر باقادر. من حديثه في إحدى ندوات الجنادرية المهرجان الحادي عشر في الرياض عام 1416هـ. وكانت الندوة بعنوان الإسلام والغرب.
[5] -أكرم ضياء العمري."الاستشراق هل استنفد أغراضه؟ في ملحق التراث- صحيفة المدينة المنورة. ع 9116، بتاريخ 15/11/1412هـ"
[6] -سورة يوسف آية.108
[7] -سورة النحل آية 125
[8] - سورة آل عمران آية 64.
[9] - سورة الجاثية آية 23.
[10] -عبد العلي الودغيري. الفرنكفونية والسياسة اللغوية والتعليمية الفرنسية بالمغرب. (الرباط: سلسلة كتاب العلم) 1993 م، وهو عبارة عن عدد من النصوص المترجمة من اللغة الفرنسية تفضح خطط فرنسا في فرض لغتها على الشعوب التي كانت مستعمَرة مع تعليقات من الدكتور الودغيري.
[11] - مراد هوفمان، محاضرته في مهرجان الجنادرية لعام 1416 ، ذكر بأنها سوف تنشر بنصها في مجلة دراسات إسلامية التي تصدر من الهند. وقد قال ما نصه:"وفي الحقيقة فإن هذه التعددية المعاصرة وما تظهره من تسامح لا محدود يختفيان بشكل مفاجئ في وجه الإسلام. فالعادات والممارسات التي تقبل بسهولة من الآخرين تلاقي الشجب والاستنكار إذا صدرت من مسلمين ويتهم أصحابها بأنهم متعصبون بدائيون غير دستوريين ورجعيون.. كما أن مريم العذراء أم تصور البتة دون غطاء رأس بينما لو أرادت فتاة مسلمة أن تغطي رأسها وتذهب إلى مدرسة في فرنسا فقد تقابل بالرفض. ونشر هذا النص في كتاب صدر عن إدارة الإصدارات بالجنادرية، 1417هـ"
1-تعقد هذه المؤسسة مؤتمرات بتمويل من مؤسسة كونراد إديناور الألمانية ،وهذه المؤسسة تدعم نشاطات مؤسسات أكاديمية في إسرائيل أيضاً ومنها مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
1-وجهت له الحكومة المصرية اتهاماً بالاتصال بدول أجنبية والحصول على تمويل أجنبي وحكم عليه بالسجن ولكنه أفرج عنه بعد فترة من الوقت، ويمكن أن نذكر أنه كان يعادي ( وربما لا زال) الاتجاه الإسلامي ويحرض الحكومة المصرية والغرب ضد الحركات الإسلامية.
1 -أصدرت الحكومة الأمريكية قبل عدة سنوات مرسوماً لتمويل دراسات الشرق الأوسط في عدد من الجامعات واشترطت على من يلتحق بهذه البرامج أن ينتمي إلى الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وقوبل هذا القرار بالاستهجان والاستنكار من العديد من المنتسبين لهذا المجال، ولكن لا أشك أنه التحق عدد من الباحثين بهذه البرامج وقبلت بعض الجامعات الأمريكية التي تعاني من نقص في التمويل أو أزمات مالية.