فهرس الكتاب

الصفحة 10457 من 27364

وعلى المستوى العملي ترجم الأصوليون المسيحيون ، الأوربيون والأمريكيون عقيدتهم إلى عمل ، فشعروا أن من واجبهم لعب دور عملي نشيط في تحقيق النبوءات وتسريع المجيء الثاني للمسيح ، سعيا وراء إنشاء المملكة الألفية السعيدة التي تنبأ بها يوحنا العراف في رؤياه (36)

ولم يكن هذا الحماس المتجدد منحصرا فقط على المستوى الشعبي ، ولا على مستوى الكهنوت والدعاة ، ولكن تجاوزه إلى الزعماء السياسيين وكبار القادة والمستعمرين والرحالة والأكاديميين .

فقد كان الأمريكيون الأوائل في هجرتهم من أوربا إلى أمريكا يشبهون أنفسهم بقبائل بني إسرائيل التائهة ، ومن قبيل المجاز أو الاستعارة ، قارنوا المحيط الأطلسي بصحراء سيناء ، والأرض الجديدة بأرض كنعان الموعودة . (37)

ولما كلف كل من الرئيسين الأمريكيين السابقين جون آدمز و توماس جفرسون - ضمن لجنة لانتقاء شعار للأمة الأمريكية الجديدة ، أوصى كلاهما أن يكون الشعار: صورة النبي موسى وهو يقود اليهود الهاربين من فرعون مصر ، ورأى الديبلوماسي الأمريكي بنيامين فرانكلين أن يكون الشعار: صورة موسى وهو يشق البحر الأحمر بعصاه (38)

ولما كانت الخطة الإلهية عند الغرب تقتضي المجيء الثاني للمسيح ، فيلزم بالضرورة أن يسبقه"الشعب المختار"إلى فلسطين تمهيدا لعودته ... فالمسيح لن يعود إلى فلسطين إلا إذا عاد اليهود إليها حسب اعتقاد الأصوليين المسيحيين ، وذلك لأن نهاية التاريخ التي تنبأ بها بولس منذ ألفي عام ترتكز أولا و آخرا على إنشاء وطن يهودي في فلسطين يستطيع المسيح أن يعود إليه .

والأكثر عجبا أن المسيحية الغربية - مُوجَّهةً من قبل الاستشراق العنصري - لم تيئس حتى يومنا هذا من تحقق المجيء الثاني ، وحتى في أمريكا القرن العشرين نجد ما لا يقل عن 53% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية ، بمن فيهم الرئيس الأسبق ريجان ، يؤمنون بأن المجيء الثاني للمسيح ، ونهاية التاريخ على وشك الحدوث ، فلا غرابة والحالة هذه أن يتمكن هال ليندسي من بيع عشرين مليون نسخة من كتابه ( كوكب الأرض العظيم الفائت ) ، والذي حدد فيه النبوءة بنهاية التاريخ ، وجزم أن العالم حاليا يعيش في مناخ مهيأ لظهور عدو المسيح الأكبر الذي رمزت إليه الرؤيا برقم 666 - (رؤيا13/18)

كما أن الكثير من الأمريكيين الذين كانوا في السابق معادين لليهودية بحجة أن اليهود رفضوا المسيح وقتلوه - بزعمهم - تحولوا إلى أنصار متحمسين لليهود ولإسرائيل ، نظرا للدور الذي يُفترض أن يقوم به اليهود في خطة المجيء الثاني وتحقق النبوءات . (39)

وأصبح من يعتبرون أنفسهم حجاجا إلى فلسطين من المسيحيين الأمريكيين ، يضعون على صدورهم لوحة صغيرة كتب عليها"نحن نحبك يا إسرائيل لأن الله يحبك"

والواضح أن الوعاظ الأصوليين من أمثال جيري فالويل نجحوا في أن يجعلوا من رؤيا يوحنا نوعا من التقديس لإسرائيل ... فكان أن تكيفت السياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط عموما ونحو فلسطين خاصة إلى درجة أن جعلت مصير أمريكا مرتبطا بمصير إسرائيل ، وقد قال فالويل ما يشبه ذلك:"لو أهملنا إسرائيل فلن يكترث بنا الله"، وباختصار فقد أصبحت إسرائيل هي العمود الفقري للعقيدة المسيحية الأصولية في الغرب (40)

والمخيف أن زعماء الأصولية يتغلغلون في السياسة الأمريكية لدرجة أن الواعظ الأصولي المشهور بات روبرتسون رشح نفسه للرئاسة الأمريكية عام 1988م ، والمشهور عن هؤلاء اعتقادهم بضرورة نشوب حرب نووية ، أو حرب عالمية ثالثة ، ما دامت تعجل بمجيء المسيح ، وقد صرح وزير الداخلية الأمريكي جيمس واط أمام مجلس النواب قائلا:"إنه باعتبار العودة الوشيكة للمسيح ونهاية العالم ، فليس من مبرر للقلق على البيئة ، ولا التذمر من تخريب الموارد الطبيعية والبيئية"

وكذلك كان تصور كل من الرؤساء الأمريكيين ( وودرو ولسون ، وهاري ثرومان ، وجيمي كارتر ، ورونالد ريجان ) (41)

وقد كانت وما تزال تصريحات الإدارة الأمريكية تعبر عن انحياز غريب لإسرائيل لا يمكن فهمه إلا في إطار الخلفية الصهيونية التي استطاع الاستشراق الأمريكو- صهيوني أن يرسخها في الذهنية المسيحية ، وقبل ثلاث سنوات ، 1998م ، صرح مارتن إنديك مساعد وزير الخارجية الأمريكي قائلا:"إن تعبير الوسيط المتوازن بين إسرائيل والعرب لا وجود له في القاموس السياسي الأمريكي ، لأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خاصة جدا" (42)

ونتيجة لهذه العلاقة الخاصة جدا ، الدينية جدا ، تضع أمريكا تحت تصرف إسرائيل مواردها الاقتصادية الهائلة ، وآلتها الحربية الضخمة ، وتستعمل حقها في نقض ما أجمع المجتمع الدولي على صوابه ، باستخدامها للفيتو ، ضد شعب أعزل أكثر من نصفه مهجَّر ..

5-الاستشراق الأمريكو- صهيوني والعراق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت