فهرس الكتاب

الصفحة 10499 من 27364

ونظراً لكثرة البحوث التي قدمت فإنني سأختار أبرز النقاط التي أثيرت في بعض هذه البحوث وما دار حولها من نقاش. فمن هذه البحوث ما قدمه رئيس المؤسسة الدكتور عبد الجليل التميمي بعنوان"هموم الباحث العربي والتونسي بصفة خاصة والمشاريع العلمية المعطلة."تناول فيه مسألة البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية وضعف الاهتمام بهذا الجانب على مستوى العالم العربي وأكد ضرورة إعطاء أهمية ووزناً أكبر لدور البحث العلمي في منظومة التنمية الشاملة، وبالرغم من مرور أكثر من أربعين سنة على استقلال الدول العربية فإن"المؤسسات العربية ومختلف منظماتها لم تنجح في إصدار دائرة معارف عربية واحدة للعلوم الإنسانية والاجتماعية مثلا أو دائرة معارف لتاريخ الأمة العربية على الرغم من تشكيل مئات اللجان بهذا الخصوص والتي باءت جميعها بالفشل."

ومن الملفت للانتباه أن ضعف الاهتمام بالبحث العلمي من أبرز أسباب ظاهرة خطيرة وهي هجرة الأدمغة العربية إلى الغرب حيث إن العالِم لا يستطيع أن يواصل مشوراه العلمي دون أن تتوفر له أدوات البحث والمؤتمرات والندوات والدوريات فإن لم يجدها فإنه يبحث عنها في أي مكان من العالم.

ونبّه التميمي إلى مسألة خطيرة وهي أن فرنسا"هي الدولة الأجنبية الوحيدة التي تقدم دعمها بصورة متواصلة ومكثفة سعيا منها لدعم حضورها المعرفي والبحثي."وتجدر الإشارة هنا إلى القناة الفرنسة الثانية التي تبث عدداً من الساعات لنشر الثقافة الفرنسية وما فيها من جوانب مادية وإباحية. واستغرب التميمي من عزوف المؤسسات التجارية والبنوك عن تقديم أي دعم مادي للبحث العلمي في حين أن بعض هذه المؤسسات تدعم قطاع الرياضة بالتبرعات السخية. ويعلل ذلك بقوله:"ويرجع ذلك إلى ضعف المكونات الحضارية لهذه الشخصيات (المتبرعين) ."

ولفت انتباهي في محاضرة التميمي انتقاده للمؤسسات العربية التي تقدم الدعم لبناء المساجد وتعزيز الحضور الديني للجاليات الإسلامية، ويرى التميمي أن هذا الدعم يجب أن يتوجه لدعم البحث العلمي سواء في أوروبا أو في العالم العربي للدفاع عن الثوابت والقيم الحضارية العربية. ولكن ربما لا يعرف التميمي أن ثوابت الأمة العربية وقيمها هي الثوابت والقيم الحضارية الإسلامية ومنها بناء المساجد والوجود الديني، ولم يقل أحد بأن الإسلام ينحصر في المسجد بل الإسلام هو الحياة كلها: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}

قدمت فيما مضى موجزاً لمحاضرة الدكتور التميمي حول هموم البحث العلمي في العالم العربي في مجال الدراسات الإنسانية والاجتماعية، وهو موضوع يستحق أن تعقد له ندوات ومؤتمرات ليس للخروج بتوصيات براقة ولكن حبذا لو اشترك في ذلك بعض المسؤولين الحكوميين لتكون التوصيات بمنزلة القرارات .

وقدم الدكتور على فهمي من مركز الدراسات العربية بالقاهرة محاضرة حول الأدوات البحثية الغربية في العلوم الاجتماعية ومدى ملاءمتها للعالم العربي، وأكد في محاضرته أن التجربة قد أثبتت عدم ملاءمة كثير من هذه الأدوات للعالم العربي. ولكن ما لم يتناوله الدكتور فهمي استخدام مناهج البحث الاجتماعي الغربي وهي التي كان يجب البحث فيها، كما إن أدوات البحث الاجتماعي لم تكن مجهولة تماماً لدى المسلمين فعملية المسح الاجتماعي عرفت منذ عهد الرسو صلى الله عليه وسلم ، وعرفت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين كان يقوم بالعس ليلاً ليتفقد أحول الرعية. كما إن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أرسل إلى القبائل من يقوم بإحصاء النفوس وما يملكون من ماشية وعدد ضيوفهم ليقدر لهم الأعطيات، وكانت الثقة كبيرة بين الدولة والأفراد فما كان من المتوقع أن يمتنع أحد عن تقديم المعلومات الصحيحة والدقيقة. أما في عصرنا الحاضر وكما أشار الدكتور فهمي فإن من أكبر الصعوبات الحصول على المعلومات من الجمهور.

وتناول الدكتور مسعود ضاهر من الجامعة اللبنانية مركز الدراسات العربية المعاصرة بجامعة جورجتاون بواشنطن العاصمة فتحدث عن المركز منذ إنشائه عام 1975حتى الآن. وأشار إلى نشاطات المركز من عقد الندوات والمحاضرات ونشر الكتب والبرامج الجامعية التي تخرج فيها ثلاثمئة دارس يحملون درجة الماجستير في الدراسات العربية المعاصرة ويعملون في القطاع الحكومي وفي الشركات. وأشاد الدكتور ضاهر بالمركز في قوله:"ويشعر الأستاذ الزائر أن نشاط هذا المركز عن الوطن العربي يعادل نشاط عدد كبير من الجامعات العربية مجتمعة."كما أشاد بحسن التنظيم في المركز. وأود أن أضيف بأننا ينبغي أن نفيد من تجربة الغربيين في دراسة العالم الإسلامي، وليس المقصود هنا التقليد ولكن الاقتباس في التنظيم حيث إن لنا أهدافنا الخاصة التي تختلف عن أهدافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت