فهرس الكتاب
إن لوثر البروتستانتي - الذي حاول توجيه إهانةٍ لنبي الإسلام بلا أدنى حياء أو تأنيب للضمير - كان ينظر إلى قرآن مترجم إلى اللاتينية في عصر الحروب مع الدولة العثمانية على أنه وسيلة مثالية لتسليح القلوب اليائسة للمسيحيين ورفع روحهم المعنوية، حيث أعلن قائلاً:"بعد ظهور الأتراك على حقيقتهم، أرى أن القساوسة عليهم أن يخطبوا الآن أمام الشعب عن فظائع محمد حتى يزداد المسيحيون عداوةً له، وأيضاً إيمانهم بالمسيحية، ولتتضاعف جسارتهم وبسالتهم في الحرب، ويضحوا بأموالهم وأنفسهم". من شأن موعظة كهذه أن يكون أثرها النفسي في المسيحي أشد من طبول الحرب وأبواقها، بل إنها ستمنحه قلب أسد حقيقي في ساحة القتال" ( [48] ) ."
المطلب الثالث: اتحاد رؤيتهم
يختلف المستشرقون، وتتباين أساليبهم وطرائقهم التي اعتمدوها في
الترجمة ولكن رؤيتهم تكاد تظل رؤية مقيدة ومتحدة، حتى لقد قال (ماكسيم ردونسون) منتقداً هذه الرؤية:"لقد أصبح النظر في عدم أصالة الإسلام واعتماده على الأديان السابقة ديدناvogue بين عموم المستشرقين" ( [49] ) .
من أجل ذلك فقد اعتمدوا منهجاً في الترجمة لا صلة له بالعلم
والبحث، يتسم بالقصور والخلل في المنهج، وهذه بعض معالمه نذكرها إجمالاً:
• إخضاع النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم.
• التحكم فيما يفرضونه أو يقبلونه من النصوص.
• تحريف النص تحريفاً مقصوداً.
• تأويل معنى النص حين لا يجدون مجالاً للتحريف.
• حرصهم على تجاوز كل ما من شأنه أن يثبت أن القرآن كلام الله.
• تصيد النصوص الملائمة والموافقة لهواهم.
• الخلط بين شيء قليل مما هو مبثوث في المصادر وما كانت تمليه تخيلات وتكهنات المستشرقين.
ثم إنهم يسلكون في سبيل التأثير والإقناع مسالك خبيثة، حيث
"يعدون محاور التحريف ونقاط التشويه والإدانة، ثم يبنون عليها ترجماتهم حتى تأتي دليلاً على ما سبق وأعدوه من مخطط مغرض؟!" ( [50] ) كما أنهم يمهدون لعملهم هذا بكتابة دراسات ومقدمات لا تحصى عن القرآن
-نشرت قبل الترجمة - وهي غالباً ما تتضمن التشهير بالإسلام والنبي صلى الله عليه سلم، لكي يترسخ في ذهن القارئ الغربي بالدرجة الأولى زيف الإسلام وكراهيته ( [51] ) .
"لقد اعتمدوا على آلية التمركز عل الذات والتمحور حولها، ذلك"
هو ما يفسر تشويه ترجمات القرآن وتحريفها، وتجدر الملاحظة إلى أن هذا التشويه وذاك التحريف لا يرجعان إلى رغبة النصارى فيهما فقط، بقدر ما يؤولان إلى اعتماد هؤلاء لهذه الآلية، ولمنهجية التأثير والتأثر وتعقبهما، وهي ذات المنهجية التي ما فتئت تخضع لها بعض الإنتاجات الاستشراقية لحد الآن.. وهذا ما يفسر لنا تحاشي الترجمات اللاتينية للقرآن لكل المفردات التي تحيل فيه على معاني الإسلام والتسليم والمسلمين، وإسقاطها وتعويضها بمفردات ومعاني الإسماعيلية والمحمديين. وذلك هو ما يفسر قلق النصارى تجاه هذا الكتاب عندما ذكر بعض القصص التي وردت في كتبهم بصورة لا تتفق مع ما يعهدون فيها. كما يفسر حيرتهم عندما دعا إلى الإيمان بما جاء به عيسى ضمن الإيمان بما أتى به جميع الرسل والأنبياء، منكراً عليهم التثليث والصب والحلول والذنب الأصلي إلخ" ( [52] ) "
المبحث الثاني: روافدهم وعيوب منهجهم في الترجمة وأخطاؤهم فيها
إن موقف المستشرقين من القرآن الكريم لا يمثل شيئاً جديداً بالنسبة للباحث المتخصص، فهم في الحقيقة لم يفعلوا شيئاً أكثر من ترديد كلام خصوم الإسلام الأولين وأعدائه في كل وقت وحين.
المطلب الأول: روافدهم:
إن المتتبع لما كتبوه في هذا الخصوص يرى أن أهم الروافد والمناهل التي استمدوا منها فكرهم وتصورهم وموقفهم المعلوم، تتمثل في ثلاثة أشياء، نبينها إجمالاً فيما يأتي:
أولاً: الإسرائيليات:
لقد احتضنت الصهيونية بدايات الاستشراق، وهي في الوقت نفسه إحدى روافده الأصيلة التي تمده بتصوراتها وأفكارها، كما أنها رافقت جميع مراحل ترجمات القرآن الكريم وأطوارها العديدة.
يقول الباحث السويسري (أرنولد هوتينغر) :"إن اليهود كانوا وما زالوا أكثر الناس اهتماماً بالعالم العربي" ( [53] ) .
وهذا ما يفسر لنا الكثرة الملحوظة لعدد اليهود بين المستشرقين، بل ومن أقطابهم وأكثرهم حقداً وعداءً للإسلام من أمثال: (غولتسيهر) و (باول كراوس) و (غرونباوم) و (برناد لويس) و (يوسف فان إس) الذين عرفوا بالتحامل الشديد على الإسلام، والتشكيك في أصوله، ومحاولة إثبات أن الرسو صلى الله عليه وسلم لم يأت بشيء جديد، بل سرق كل شيء من اليهود والنصارى.
إن تغلغل الإسرائيليات وانتشارها في التراث الإسلامي عامة، وفي كتب تفسير القرآن خاصة، له أثر سيئ.