فهرس الكتاب

الصفحة 10598 من 27364

ورغم كل هذه الآراء بأن الترجمة محدودة وأن الاهتمام قليل لكن هناك من يرى أن الاهتمام يتزايد ومن هؤلاء محمد أحمد حمدون حيث يقول"إن الاهتمام يتزايد عند المعاصرين من المستشرقين بالأدب الحديث، وقضايا العالم العربي، وفيما يتعلق بالأدب العربي الحديث فإن الترجمة في كتب مستقلة وفي الدوريات (رغم كثرتها) أخذة في الزيادة حيث ترجمت أعمال لأكثر المؤلفين العرب في معظم اللغات الأوروبية. ( [12] ) ويبدو لي أن هذا الرأي متفائل جداً فالواقع لا يؤيد ذلك بل إن الاهتمام الغربي انتقائي وقليل بالنسبة لما يصدر في العالم العربي ولذلك أسبابه التي ذكرنا بعضها آنفاً."

ومن نماذج الاهتمام المتحيز ضد الأدب العربي ما كتبه ريجيس بلاشير زاعماً أن الأدب العربي يفتقد عموماً إلى الإبداع والعبقرية وان"الفعالية الأدبية، في أدوار عدة، بل في الأدوار الهامة تظل جماعية بمعزل عن كل خلق فردي حقاً، وإذا ما اتفق أن وجدنا خلافاً لذلك فإننا لا نلبث إذا أمعنا النظر أن ندرك أن الظاهرة حركة تجديد أوجدتها فئة أو جماعة أدبية أو هي صفة خاصة إقليمية …. وعلى الجملة فالأدب العربي - وقد نلحق به آداب الشرق الأدنى- لم يعرف إلاّ في ومضات خاطفة، تلك الحاجة المرهقة الخصبة للتجديد، والتميز، والتعارض 000" ( [13] )

وقد كفانا محمد العزب مؤونة الرد على بلاشير في مقالة أكد فيها حقيقة وجود الإبداع والعبقرية في الأدب العربي على مر العصور ،ولم يكتف بما كتبه النقاد المسلمون منذ القديم ولكنه رجع إلى بعض ما كتبه كارل بروكلمان في هذا المجال. وقدم نماذج من الشعراء المسلمين على مر العصور ( [14] ) . ولكن ألا يمكن أن يكون هذا الرأي الذي قال به بلاشير إنما ينطلق من النظرة الاستعلائية التي تطبع الغرب عموماً فلا يرون عبقرية إلاّ عبقريتهم أو عبقرية من كان مقلداً لهم.

وقد كان للمستشرقين الذين درّسوا في الجامعات المصرية وكذلك الطلاب الذين ابتعثوا إلى الغرب لدراسة الأدب العربي على أيدي المستشرقين دور في تأثر البعض في إفساد"الذائقة الأدبية"كما يقول الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- وهو ما عانى منه طيلة حياته وظهر واضحاً في معاركه الأدبية المتعددة ومنها على سبيل المثال مع لويس عوض التي نجد تفاصيلها في كتابه (أباطيل وأسمار) ومع طه حسين رحمه الله في كتابه المتنبي ورده على طه حسين في قضية الشعر الجاهلي ونظرية الانتحال. ( [15] )

ولا يمكننا أن نطلب من الغير أن يهتم بأدبنا الحديث ولكننا نرى أن هذا الاهتمام يميل إلى التركيز على جوانب معينة من أدبنا العربي فهذه مستشرقة تؤكد أن الاستشراق الألماني ما زال مهتماً بقصص ألف ليلة وليلة حين تقول"لا يوجد أثر أدبي ينتمي إلى الشرق كان له التأثير الذي خلفته حكايات ألف ليلة وليلة منذ ترجمتها عام 1706م على الآداب الأوروبية بما فيها الأدب الألماني." ( [16] ) ولكنها تضيف في اللقاء نفسه بأنها مهتمة أيضاً بالأدب الحديث وتسوق لذلك مبرراً هو أن الأدب"يشكل في اعتقادي أحد أفضل السبل للتقارب بين الشعوب، لأننا نستطيع أن نتلمس من خلال ما ينتجه شعب من أدب ملامح الوجه الحقيقي لهذا الشعب. ( [17] ) "

وقد كان البعض يرى أن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988م (1408هـ) لم يؤد إلى زيادة الاهتمام بالأدب العربي الحديث، لكن محفوظ نفسه نال اهتماماً كبيراً في هذه الفترة والتي تلتها، ولكن هذا لم ينعكس على الأدب العربي عموماً ( [18] )

المحور الثاني

القيم والمثل والأخلاق في الأدب العربي الحديث

ولعل من المعلوم أسباب الاهتمام بنجيب محفوظ فإن اللجنة التي منحت له الجائزة ذكرت في المبررات تأثره بالفكر الغربي وبخاصة ماركس وفرويد ودارون .ويقول في ذلك أحمد أبو زيد"لا غرابة أيضاً أن يهتم بها [أولاد حارتنا] دارسو الأدب العربي من الأجانب والمستشرقين اهتماماً خاصاًَ ويفردون لها جانباً بارزاً من دراساتهم عن نجيب محفوظ . فقد وجدوا فيه ضالتهم وأدركوا أنها قصة تحطم كل ما هو مقدس من الأديان والرسل والكتب والغيبيات" ( [19] ) . وأدى هذا التأثر إلى أن امتلأت قصص نجيب محفوظ ورواياته بالدعوة إلى القيم الهابطة والفساد ومن ذلك الدعوة إلى اللهو والطرب، والسخرية من الحياء وزعمه أن الحياء موضة قديمة، واحتفائه بالمومسات والتعدي الصارخ على الدين .

ويلخص أحمد أبو زيد ذلك في قوله"ومعنى هذا فساد الوجهة في مخطط نجيب محفوظ القصصي كله الذي يروج فيه الشك والسخرية والاستهانة بالقيم والاستهزاء بالمقدسات، وليست إذن رواية أولاد حارتنا هي وحدها الحاملة للسم، ولكن الكاتب نفسه الذي يتخفى وراء مظهر أنيق وعبارات صحفية مرتبه وكلمات براقة هو في داخل قصص نتن عجيب وقذارة وفساد يجب أن يعرفه كل من يسأل عنه" ( [20] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت