فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 27364

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [سورة آل 3/19]

وهو الذى تمت به نعمة الله على البشر واكتمل به شرع الله ومنهجه:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا} [سورة المائدة 5/3]

وهو الذى يشهد واقعه - وقت أن طبق في عالم الواقع - أنه أنشأ تلك الحضارة"الإنسانية"المتكاملة التى شملت كل جوانب الحياة وكل جوانب النفس البشرية . والتى كانت للإنسانية كلها نورا وهداية ، والتى استمدت منها أوروبا العلم والحضارة حين انبعثت - بعد احتكاكها بالمسلمين - تطلب النهوض .

وحين تعتنق أوروبا هذا الدين فلن تحتاج أن تتخلى عن شئ من تقدمها العلمى والمادى ولاتكنولوجى ، ولا شئ من عبقريتها التنظيمية ، ولا شئ من جلدها الدؤوب على العمل والإنتاج ، وهى العوامل التى حفظت لها بقاءها حتى هذه اللحظة ، وإن كانت - كما أشار جون فوستر دالاس - لا تستطيع أن تحميها من الدمار الحتمى الذى يجره عليها غياب"الروح"..

كلا ! لا تحتاج أن تتخلى عن شئ من ذلك ، إنما تحتاج فقط أن تقيم ذلك لكه علىق اعدته الصححية ، وهى الإيمان باله وتطبيق منهجه في الأرض ، كما تحتاج أن تتخلى عن عبوديتها للمادة وعبوديتها للشهوات .

والمسلمون بطيبعة الحال يحملون المسئولية الكبرى في هذا الشأن ، فهم الذين أخرجهم الله ليكونوا هداة البشرية في الحياة الدنيا ، والشاهدين عليها يوم القيامة:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110]

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104) } [سورة آل 3/104]

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة 2/143]

ولن يكونوا شهداء على الناس يوم القيامة حتى يؤدوا الشهادة فىالدنيا لهذا الدين ، بإقامته في الأرض كما أمر الله ، والدعوة إليه كما أمر الله ، فتقوم الحجة على الناس إن قبلوه فقد اهتدوا ، وإن اعرضوا فقد أعذرت الأمة الإسلامية إلى ربها ، ويوم القيامة يشهدون على الناس أمام ربهم: لقد اقمنا الدين على الأرض كما أمرتنا ، ودعونا الناس إليه كما أمرتنا ، فاعرضوا فحق عليهم الجزاء ..

والمسلمون اليوم في حضيض من الذلة ولاهوان والضعف والتلخف لم يهبطوا إلى مثله في تاريخهم كله بسبب تخلفهم عن هذا الدين ، وإضاعة عقائده وأحكامه ، والغفلة عنه ، والتفريط فيه .

ولكنهم يحملون مسئوليتهم مع ذلك .. مسئوليتهم نحو أنفسهم ، ومسئوليتهم نحو البشرية ، لا يعفيهم منها كل ما وقعوا فيه من الهوان والذلة ، بل إن ذلك كله ليضاعف مسئوليتهم ، فإنهم ما وقعوا فيه إلا تفريطهم في هذا الدين الذى قال الله فيه:

{فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) } [سورة الزخرف 43/43-44]

فماذا هم قائلون لربهم غدا حين يسألهم ؟!

وأى وزر يحملونه إذا احتاجت إليهم البشرية غدا فلم تجدهم في المكان الذى ينبغى أن يكونوا فيه ، مكان الأمة التى تحمل الهدى الربانى وتبينه للناس ؟!

فأما الله سبحانه وتعالى فلن يعجزه تخاذل الذين يحملون اسم الإسلام اليوم وهم غافلون عنه ، إذا أراد أن يهدى البشرية غدا إلى الدين الحق ، فقد قال سبحانه يحذر المسلمين من قبل:

{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا - يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38) } [سورة محمد 47/38]

فإذا أراد الله للبشرية الهدى فسيقيض لهذا الدين من يحمله وينافح عنه كما قال سبحانه:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) } [سورة المائدة 5/54]

وإنا لنرى بواكير هذا الفضل الربانى في حركات البعث الغسلامى التى تنبعث اليوم من كل مكان في الأرض ، تسعى إلى تحقيق الغسلام في الواقع ، وتجاهد في سبيل الله لا تخاف لومة لائم ، وتتعرض لأبشع ألوان التعذيب الوحشى ، ثم تظل صامدة في سعيها إلى إقامة هذا الدين في الأرض كما أمر الله . كما نرى بواكير هذا الفضل فيمن يدخلون في هذا الدين في أوروبا وأمريكا من البيض والسود بعشرات الألوف ويتزايدون على الدوام .

أما البشرية قد بدأت طلائعها على الأقل تضيق بالضياع والحيرة وتتلمس الطريق إلى النور .. والنور هو دين الإسلام .

يقول"توينبى"فى محاضرته التى أشرنا إليها من قبل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت