ترى الحكومة الباكستانية أنها أقدمت على إيجاد الصلة بإسرائيل لأداء دور في حل القضية الفلسطينية. وقد برر"مشرف"موقف حكومته بما نقلته عنه الجرائد الباكستانية يوم 2 سبتمبر 2005 من القول:"إننا أقدمنا على إجراء المحادثات وإيجاد الصلات مع إسرائيل للحفاظ على مصالح الشعب الفلسطيني.. يجب أن تغير باكستان سياساتها الخارجية حسب مقتضيات الزمان.. ستخف وطأة الإرهاب عن العالم كثيرا بحل قضيتي كشمير وفلسطين.. استشرنا الفلسطينيين، واستشرنا الملك عبد الله ملك السعودية حول إجراء المحادثات مع إسرائيل وهم يؤيدون موقفنا.. هناك تقدم ملموس نحو حل القضية الفلسطينية بعد انسحاب إسرائيل من غزة، وقد تقوم باكستان في هذه الظروف بأداء دور في حل القضية الفلسطينية.. إذا حلت القضية الفلسطينية لا يمكن في هذه الحالة أن تبقى باكستان منعزلة، ولا بد أن تعترف بإسرائيل".
وقال وزير خارجية باكستان في حوار له مع إذاعة"BBC"يوم 2 سبتمبر:"إن الخطوة التي خطتها إسرائيل بإخلاء غزة لم تكن خطوة عادية، ومن هنا أردنا أن نساهم في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بعد الخطوة المذكورة، وهذا لا يمكن بدون العلاقات والحوار، ولذلك قررنا أن يكون لنا نوع من العلاقة العلنية بإسرائيل، إلا أننا لم نعترف بها".
ودفاعا أيضا عن إجراء هذه المحادثات مع إسرائيل، ذكر رئيس الوزراء الباكستاني"شوكت عزيز"أمام البرلمان الباكستاني:"إننا أقدمنا على ذلك بناء على طلب محمود عباس الرئيس الفلسطيني الذي كان قد طلب من الجنرال مشرف في زيارته إلى إسلام آباد أن يلعب دورا في حل القضية الفلسطينية"، وأشار إلى أن باكستان تفاهمت مع الحكومة السعودية حول هذه الخطوة، وأن الحكومة السعودية أيدت ذلك.
ويدافع الكتاب الحكوميون في الإعلام الرسمي بقولهم: إن العالم قد تغير، وإن الدول العربية تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، والحكومة الفلسطينية تجري المحادثات منذ سنوات طويلة؛ فلماذا تتأخر باكستان خاصة في إقامة العلاقات بإسرائيل، وهى التي أيدت الفلسطينيين والعرب؟ فهل يصح أن نكون ملكيين أكثر من الملك نفسه؟!.
لكن السلطة الفلسطينية نفت أن تكون لها أدنى علاقة بالمحادثات الإسرائيلية الباكستانية، وأما عن الحكومة السعودية فكيف يمكن أن تشير على باكستان بما لا تفعله هي بنفسها؟ الظاهر يؤكد أن هذه التبريرات هدفها إسكات الشعب الباكستاني، وليس لها علاقة بالواقع.
ردود الأفعال والاحتجاجات
بمجرد أن نشر خبر هذا اللقاء في وسائل الإعلام، ظهرت ردود أفعال عنيفة من قبل الجماعات الإسلامية؛ فقد طلب القاضي"حسين أحمد"رئيس مجلس العمل الموحد عقْد مؤتمر صحفي في مدينة"نوشهره"، وقال:"إن الحكومة داست تحت أقدامها الأصول التي وضعها القائد الأعظم محمد علي جناح للتعامل مع الكيان الصهيوني، وما دام العالم لا يعترف بالاحتلال الغاشم لإسرائيل للأراضي الفلسطينية؛ فلماذا تقدم باكستان تنازلا إثر تنازل؟". وأضاف قائلا:"إن إيجاد العلاقات بالكيان الصهيوني حلقة من حلقات الاتفاقية السرية التي تمت الموافقة عليها في كامب ديفيد بين مشرف وبوش". وقال أيضا:"إن الشعب الباكستاني يغلي غضبا على مثل هذه التصرفات للحكومة".
وأعلن أن مجلس العمل الموحد سينظم مسيرات ومظاهرات في كل المدن الباكستانية إثر صلاة الجمعة (2 سبتمبر 2005) احتجاجا على هذا اللقاء، وقد خرجت المظاهرات بالفعل في جميع المدن الباكستانية الكبيرة في هذا اليوم، واحتج المتظاهرون على تفريط الحكومة الباكستانية في القدس الشريف وفي حقوق الشعب الفلسطيني.
وطالب أعضاء البرلمان الباكستاني التابعون لمجلس العمل الموحد بأن يفتح المجال لمناقشة علاقات الحكومة الباكستانية بالكيان الصهيوني، وقاطعوا جلسات البرلمان احتجاجا على انحراف الحكومة عن الموقف التاريخي تجاه القضية الفلسطينية وتجاه الكيان الصهيوني الذي كانت الحكومات تتبعه منذ نشأة باكستان في 1947، وقال قياديو مجلس العمل الموحد: إن الكيان الصهيوني لم يتمكن من إحكام سيطرته على الأراضي الفلسطينية بالقوة العسكرية، ولذلك يريد أن يفعل ذلك سياسيا عبر تحييد العالم الإسلامي خاصة الدول المؤثرة فيه، كما يستفيد من مصر في الجانب العسكري لمنع تهريب الأسلحة إلى داخل الأراضي الفلسطينية.
وأما الأحزاب السياسية الأخرى؛ فكان موقفها محايدا، لكن الكل كان يؤكد على أن المحادثات إن كانت في صالح الشعب الفلسطيني، وتخدم القضية الفلسطينية فلا بأس بها. أما إذا كانت لا تخدم القضية الفلسطينية فلا يصح إجراء المحادثات، ولا إيجاد العلاقات مع إسرائيل.
ماذا يتوقع في المستقبل؟
لقد وصلت حكومة"مشرف"إلى المرحلة العلنية في العلاقات بإسرائيل بعد المرور بمراحل سابقة من لقاءات عابرة في بعض المؤتمرات الدولية للقيادة الباكستانية بممثلي الكيان الصهيوني منذ استيلاء"مشرف"على السلطة في عام 1999، وعلاقات سرية بالكيان الصهيوني منذ أول أيامه في السلطة، كانت أخبارها تسرب إلى الإعلام عمدا لجس نبض الشارع الباكستاني.