يبدو أن الإدارة الأمريكية حينما توزع التهديدات يمنة ويسرة تصنع نوعاً من الابتزاز والتخويف.
فهي حيناً تتحدث عن تغيير نظام الحكم، وهذه سابقة خطيرة أن تكون المسألة بهذا الوضوح.
وحيناً عن إزالة أسلحة الدمار الشامل، دون أن تفلح في تحديد سبب هذا التصعيد المفاجئ لقضية العراق، إذ لا جديد في الموضوع.
وحيناً يتم تسريب إعلامي يقول بأن الهدف هو ضرب دول ترهب شعوبها والتأسيس لنشر الديمقراطية في المنطقة !
وهكذا تمتزج المكيافيلية ( الغاية تبرر الوسيلة ) بالديمقراطية القائمة على الخيار الشعبي.
ومسكينة أنت أيتها الديمقراطية كم من الجرائم قد اقترفت باسمك !!
وهذا يعيد إلى الأذهان التقرير الخطير المنشور باسم ( تهديد الإسلام الاستراتيجي ) والذي كتبه المستشار اليهودي ( إهيز كل درور ) ، رسم فيه العناصر الاستراتيجية لمواجهة الإسلام المتمرد كما أسماه، وختم بقوله: ( ومع الأسف فإنه من الضروري للغرب أن يقوم بتسوية قيمه الغربية حتى يتمكن من القيام بأعمال [ غير أخلاقية ] في سبيل درء المفاسد الكبرى ) وقد قام موقع الإسلام اليوم (www.islamtoday.net ) بترجمة ملخص لهذا التقرير .
وسيان قامت الحرب أم قعدت فإن من الواضح أن الإدارة الأمريكية جادة في خلط الأوراق في المنطقة الإسلامية، وإعادة ترتيبها على ضوء مستجداتها الأمنية ومصالحها الاقتصادية، واستراتيجياتها المتطورة، ولو استدعى الموقف قلب الخارطة وإعادة تشكيل الحدود .
وعلينا أن نستعد لسنوات من القهر والتسلط يطال المسلمين في فلسطين والعراق، ويمتد إلى دول عدة تصنف على أنها تؤوي الإرهاب أو تفرخ الإرهابيين.
وأقل ما يتوقع من ذلك هو ممارسة الضغوط الجدية عن كثب لتحقيق الشروط الأمريكية ، وهذا تحد تاريخي ليس من السهل استيعابه وتربية الناس على إدراك مقتضياته ووسائل مواجهته .
ومشاركة في البحث عن المخرج الصحيح أقدم هذه العناوين المختزلة لرؤى شمولية قد يبدو أن طلعات الخيال تكتنفها، لكن لا بأس، فأحلام اليوم حقائق الغد، وإن غداً لناظره قريب.
(1) لسنا نعلق كبير أمل على تناقضات الأحلاف بشأن العراق فالتجارب شاهدة بأن القوي في النهاية يفرض إرادته ويسكت الجميع لرغبة أو رهبة .
لكن الحرب إذا قامت ستدخل المنطقة في دوامة من الفوضى والاضطراب تستنزف المزيد من الجهد والطاقة وليس يبعد أن يكون هذا جزءاً من استراتيجية قادمة تمهد لتغييرات جوهرية .
ولهذا يتحتم علينا أن نستميت في تفادي الحرب حفاظاً على شعب العراق وعلى المنطقة كلها .
يجب أن يتبلور موقف رسمي وشعبي واضح ورافض للحرب وأن يتواصل هذا الموقف مع القوى الدولية الرافضة أو المترددة دعماً ومساندة وتهيئة لمناخ مستقبلي من التعاون ومع القوى الرافضة في الداخل الأمريكي لممارسة ضغوط شعبية وإعلامية على الإدارة الأمريكية .
وعلى الصعيد العراقي ـ مهما كانت قناعتنا بالوضع الرسمي ـ يتحتم أن يقوم القلقون على مستقبل الأمة والمنطقة بدور جاد مع النظام العراقي ، والتفاهم على صيغة تؤدي إلى تجنب الحرب وقطع الطريق على المتآمرين ، وأن تقوم كل الأطراف بمسؤلياتها بمنتهى الحكمة والحزم .
( 2) أساس كل تغيير أو إصلاح يبدأ من داخلنا"حتى يغيروا ما بأنفسهم"،"وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً".
وهذا منهج قرآني محكم"قل هو من عند أنفسكم".
فعلينا أن نعود إلى الله عودة صادقة شاملة، على مستوى الأفراد والأسر والجماعات والدول، وأن نحكم شريعته في ذواتنا وعلاقاتنا وكثيرنا وقليلنا.
وهذه القاعدة العظيمة في الفرار إلى الله يتفرع عنها مفردات لا تكاد تنتهي.
أ- تبادل التصحيح الهادف الصادق القائم على النصيحة وليس الفضيحة، وعلى الإشفاق لا على الإحراج، وعلى الإدراك الميداني الممكن، لا على الرؤية المعزولة عن سياق الحدث، أو النظرة الذاتية الخاصة.
إنه لا شيء يستجمع التعرف على نقائصنا والقدرة على تجاوزها مثل التصحيح القائم على الرحمة والمحبة"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر .."
ب- إيثار المصلحة الأممية العليا على المصالح الخاصة والذاتية لفرد أو طائفة أو فئة .
ج- إن العدل يجب أن يكون أساس العلاقة بين الناس في المجتمع المسلم، ولنتأمل كيف بدأ ربنا تبارك وتعالى بذاته المقدسة في تحريم الظلم فقال: ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا ) رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه .
فالخروج من المظالم ورد الحقوق لأهلها هو ضمانة لوحدة الصف وأمان من العدو المتربص .
ومن أخص صور الظلم ما يقع على الضعفاء والفقراء والعاجزين من النساء والصبيان والعمال ونحوهم أمام القوي الذي لا يراقب فيهم إلاً ولا ذمة .
د ـ إن العالم العربي يشهد معدلاً لنمو الدخل الفردي هو الأقل في العالم ـ حسب تقرير التنمية الإنسانية لعام 2002م ـ حيث لم يتجاوز النمو نصفاً بالمائة سنوياً خلال عقدين .