فهرس الكتاب
لكن في المغرب اختلفت طريقة التعاطي مع تعيين بلخير، كرجل من عيار خاص، فقد اعتبر الكثيرون أن هذا التعيين هدفه طي صفحة الماضي المحتقن بين الجارين اللذين لم يكفا عن تسخين الأجواء فيما بينهما، تارة بسبب قضية الصحراء الغربية ، وتارة بسبب الحدود وموضوع التهريب، وأخرى بسبب زعامة اتحاد المغربي العربي المجمد، وقد برر المراقبون في المغرب تفاؤلهم هذا انطلاقا من معطيين، الأول أن بوتفليقة بتعيين الجنرال القوي يوجه رسالة إلى المغرب بدرجة أولى، وإلى القوى الأوروبية المهتمة بحل مشكل الصحراء وتفعيل الاتحاد المغاربي ، باعتباره ضروريا لتقوية مسلسل الشراكة الأورو متوسطية التي تدخل هذا الشهر عامها العاشر منذ انطلاقتها عام 1995 ببرشلونة، ومحتوى هذه الرسالة أن الجزائر جادة هذه المرة في تطبيع علاقاتها مع الرباط. أما المعطى الثاني فهو أن العربي بلخير الذي يتمتع بتجربة سياسية كبيرة في بلاده لا يمكن أن يقبل بمنصب سفير فوق العادة ما لم يكن لديه برنامج للتحرك ، وبالتالي أمل في نجاح مهمة الوساطة بين البلدين، يكلل بها مسيرته السياسية ، ويختمها بتسويق صورة رجل المصالحة بعدما كان في الماضي من معارضي التقارب بين البلدين.
تكهنات
كان من المقرر أن يبدأ بلخير مهامه بداية شهر أكتوبر الماضي، لكنه لم يلتحق بمقر السفارة الجزائرية بالرباط في الموعد، لتبدأ التكهنات حول أسباب ذلك، فيما رد هو دواعي التأخر إلى خضوعه للعلاج في فرنسا، لكنه لم يتردد في إرسال إشارات مطمئنة للمسؤولين المغاربة عبر صحيفة"لوموند"في الأسبوع الأول من أكتوبر، حيث قال إن مهمته ستكون هي تقريب وجهات النظر بين المغرب والجزائر، وأنه سيحاول كل جهوده من أجل تحقيق المصالحة بين البلدين.
وقد تزامن ذلك التأخر مع المشكلات التي أثارها موضوع المهاجرين السريين الأفارقة ، الذين يجتازون الصحراء ويصلون إلى المغرب لعبوره نحو أوروبا، حيث انتقد المغرب المسؤولين الجزائريين، متهما إياهم بالتساهل مع المهاجرين الأفارقة الذين يعبرون التراب الجزائري ، بهدف إغراق المغرب بالمهاجرين، وتوريطه مع الاتحاد الأوروبي . وفسر عدم التحاق بلخير بالرباط بتلك الأحداث، وبعدم رغبة الجزائر في التعاون مع المغرب لمكافحة ظاهرة الهجرة السرية وتهريب البشر ، الذي طالب به الاتحاد الأوروبي ورصد له حوالي أربعين مليون أورو لفائدة المغرب.
الأمر الثاني هو أن تأجيل التحاق بلخير بمنصبه في الرباط تزامن مع الاقتراح الذي قدمه المغرب لحل مشكلة الصحراء ، التي أكملت ثلاثين عاما من عمرها دون أن يبدو في الأفق ما يؤكد أنها في الطريق إلى الانفراج، حيث أكد المغرب على لسان الوزير المنتدب في الخارجية الطيب الفاسي الفهري استعداده لمنح سكان الصحراء"الحكم الذاتي"الدائم تحت السيادة المغربية، في أول مبادرة من نوعها تتقدم بها الرباط. وقد أحرج هذا الاقتراح الجزائر كما أحرج جبهة البوليساريو في نفس الوقت، لأنه على الأقل ـ بالنسبة للمراقبين ـ أعطى الانطباع بأن المغرب لم يعد الجانب المسؤول عن التأزم الذي وصلته الأمور، بعدما كانت الجزائر والبوليساريو تحرصان في الماضي على القول بأن المغرب لا يريد حلا للأزمة، مستندين على موقفه الرافض لمخطط بيكر لعام 2003 حول منح الصحراء حكما ذاتيا"انتقاليا"لمدة خمس سنوات ، يليها استفتاء للسكان ، ولكن بآفاق غامضة جعلت الجانب المغربي يتخوف من الانفصال، ولم تتردد بعض المصادر في ربط تأخر بلخير بهذا الاقتراح المغربي، كونه يمثل تعبيرا عن الحرج الجزائري.
أما في الجزائر نفسها، فقد فسر البعض ذلك التأخر بعدم موافقة العربي بلخير على المنصب الجديد الذي أسند إليه، ملاحظا فيه شكلا مهذبا لإبعاده عن دفة الحكم في الداخل.
ديبلوماسية"الطرشان"
مهما يكن فإن ما حصل في حقيقة الأمر لا يخرج عن التقاليد السياسية والديبلوماسية السائدة منذ ثلاثة عقود بين البلدين اللذين تجمع بينهما الجغرافيا والدم ، وتبعدهما السياسة عن بعضهما البعض. ففي شهر يونيو الماضي أعلنت الخارجية المغربية في بيان لها عن زيارة سوف يقوم بها رئيس الحكومة الجزائرية أحمد أويحيى للمغرب، وعقد الكثيرون على تلك الزيارة آمالا قوية في تطبيع العلاقات الباردة بين الجارين، ولكن بعد أسبوع واحد فقط عادت الخارجية المغربية لتعلن في بيان لها عن"تأجيل"الزيارة التي وصفتها بـ"غير المواتية"في الظروف الحالية، رابطة أسباب التأجيل بما اعتبرته تصرفا جزائريا"غير مقبول"في موضوع الصحراء الغربية. وأثار موقف المغرب ردود فعل حادة في الجزائر، حيث رأى فيه الجزائريون سلوكا من جانب واحد ، ودون تشاور مع المسؤول الحكومي الجزائري، وصرح وزير الدولة عبد العزيز بلخادم ـ وزير الخارجية السابق ـ بأنه يرى الموقف المغربي"شيئا من عدم اللياقة الديبلوماسية"، وتساءل قائلا"لا أرى ما سيجنيه المغاربة من هذا التصرف؟".