فهرس الكتاب
الاعتبار الأول: هو أن الخطوط الحمراء الدولية التي توضع على الأنظمة التابعة ذات السياسات التبعية اقتصادياً وسياسياً، والآن أمنياً واستخباراتياً، لا يمكن تجاهلها بشكل موضوعي عن طريق المشاركة من داخل الحكومة الضعيفة التي ليس لها سلطة حقيقية. وبالتالي الدخول إلى هذه الحكومات إقرار بهذه الخطوط الحمراء وعمل داخلها بل وسعي إلى تسويغها. في حين أن العمل البرلماني من موقع المعارضة لا يلزم التعاطي مع هذه الخطوط الحمر، ويمكن تجاهلها بما أن موقعك في المعارضة لا يلزمك بشيء، كما أن العمل المحلي الذي أدعو إلى تقويته عن طريق الدخول الوازن في الجماعات المحلية، وإعطاء النموذج الفعلي أيضاً لا يلزم بالتعاطي مع هذه الخطوط الحمر إلاّ في حالات نادرة. إذ لا داعي للدخول في تجربة تنفيذية للسلطة الرسمية تفضي بالإنسان ليصبح مدافعاً عن التبعية للسياسات الأمريكية والفرنسية والإسبانية في المغرب.
الاعتبار الثاني: هو أن المنافسين وخصوصاً اليسار الشرس الذين هم الآن في موقع الجهاز التنفيذي، مستعدون لفعل أي شيء للتضييق على الحركة الإسلامية وإفشالها إذا ما زاحمتهم في الجهاز التنفيذي. وأمامنا تجربة التهميش لمشاركة الإخوان بالجزائر ولو بطريقة ناعمة، والحرب عليهم من داخل التحالف الحكومي من الحزبين"الشريكين". وأمامنا تجارب أخرى مأساوية كتجربة حماس التي وصل الأمر اليوم من أجل معاقبتها وإفشالها على دخولها إلى السلطة التنفيذية، إلى الاقتتال والمذابح. قد لا نكون في المغرب ضحايا للسلاح، ولكن سنكون ضحايا أحياناً لما هو أفتك وهو الضرب تحت الحزام. وبالتالي تجنباً للتنافس مع هذه الجهات الممكَّنة دولياً، والمستريحة في خطها الإيديولوجي مع هذه الجهات العليا، وأيضا سعياً إلى تعزيز موقع المعارضة الذي لن نتركه لحزب قوي؛ إذ لمن سنترك المعارضة وهي حق المواطن المغربي في أن يكون له حزب معارض قوي، يعطي نوعاً من الهيبة للرقابة داخل البرلمان.
المعارضة حق المواطن المغربي علينا، المعارضة دورنا، المعارضة موقعنا المريح في المرحلة القادمة، وعكس ذلك سيكون خطأ في حقنا وفي حق مشروعنا، وفي حق وطننا، وسيعرضنا لمزيد من الاحتكاك السلبي مع خصومنا الذين لن يراعوا فينا ولا في مصلحة الوطن العليا إلاًّ ولا ذِمّة.
ألا ترى معي أن هذا الخطاب فيه إحباط للذين يريدون التصويت على العدالة والتنمية ويأملون من الحزب أن يحسن من أوضاعهم؟
لا شيء يحبط مثل الخديعة وبيع الأوهام، أما التعاقد الواضح والشريف مع الناس فسيؤدي في أسوأ الأحوال إلى أن يعتذروا لك عن دعمهم، ويختاروا طريقاً آخر، أو يقفوا موقف المتفرج. أما من اقتنع بخطابك، فإنه سيتقدم معك على بصيرة إلى مجال دعمك؛ لأنه علم منك أنك ستختار المعارضة، وبالتالي سيقيِّم حساباته لدعمك على أساس هذا الاختيار. وإذا كان هناك مغاربة ذوي أفق ضيق وسقف واطئ وثقافة سطحية، وأحياناً منعدمة، يريدون حركة إسلامية تصل إلى السلطة من أجل تقديم خدمات شخصية لهم، فإن هناك قطاعاً عريضاً من الواعين ومن الملتزمين والنخب التي سوف تفهم هذا الخطاب الذي تقدمه وتقدره أكثر. لقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرحلة المحنة لا يعد المسلمين بشيء إلاّ بالجنة، ولم يكن يدعي بأن الملائكة سينزلون عليه من السماء لحماية المستضعفين الذين كانوا يُقتّلون ويذبّحون في الفترة المكية، وطيلة مدة حصار شِعْب أبي طالب، لم يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - برنامجاً بوعود بالنصرة أو التمكين. بخلاف لما أصبح في الفترة المدنية قائد دولة، وبشر المسلمين بفتح قصور بلاد الشام وبلاد العراق، كان ذلك من منطلق ما أُطلِع عليه من وحي، وكان يفعل ذلك من منطلق أن مشروعه ثبت فوق الأرض كسلطة مستقلة، وكدولة قائمة. لهذا تأسياً بالمرحلة المكية يمكن أن نحدث الناس بكل صدق ووضوح عن تواضع سقفنا ومحدوديته. وعلى بصيرة من هذا الأمر يتقدمون للتصويت لنا، وإن لم يقتنعوا فهم أحرار وأسياد أنفسهم، خصوصاً وشعارنا السياسي: السيادة للأمة. فالنظرية السياسية عندنا في الإسلام تقوم على ثنائية الحكم لله والسيادة للأمة، ولها واسع النظر، وليس لنا سوى أن نعرض أنفسنا عليها كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على القبائل.
تعالت أخيراً بعض الأصوات والكتب المنتقدة للحركة الإسلامية بالمغرب.. ما هي الصيغة المثلى في نظركم لنقد الحركة الإسلامية؟
الصيغة المثلى والصحيحة لنقد الحركة الإسلامية، هي نفسها الصيغة المثلى والصحيحة لأي نقد.