فهرس الكتاب

الصفحة 12375 من 27364

السبب الخامس في بطلان هذه المعاهدات أنها من معاهدات الإكراه، فالشعوب الإسلامية التي وقع ساستها على هذه المعاهدات فرضوها عليهم بالقوة والبطش والإكراه والإلزام، ولم يستشر فيها أهل الدين من العلماء، وأهل الرأي والخبرة والنجدة والنظر من المسلمين، وإنما أبرمها من لا يقيم وزناً للدين، ولا يميز بين المشروع والممنوع وبين ما يجوز أن يصالح عليه الكفار وما لا يجوز، ثم فرضها بقوة ما معه من السلاح والقهر، والمسلم المجبور والمقهور الذي قد يظهر أنه راض -وهو مجبور ومقهور - لا أثر لرضاه هنا، ولا لإقراره لأن إقرار المجبور والمقهور لا أثر له في العقود، بل العقد لا بد أن يكون عن رضا، فشرط صحة العقود في الإسلام هو التراضي حتى بين المسلم والمسلم، فمن باب أولى بين المسلم والكافر، وإذا أجبر المسلم على عقد من العقود فإنه لا يجوز أن يقبل به إلا مجبراً، وعليه رفضه عند بدء القدرة على رفضه ولو كان ذلك في قول كلمة الكفر: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» . (النحل: 106)

ومن أجل الأسباب السابقة قلنا بأن هذه المعاهدات معاهدات باطلة وقعت يوم وقعت باطلة، والعقد الباطل كأن لم يكن وهي كعقود الربا والزنا والسرقة وقطع الطريق وقتل المسلم، لا يجوز الوفاء بها ولا اعتقاد صحتها.

ومعلوم أنه لا يجوز للمسلم أن يعقد عقداً باطلاً، ولو كان فيه بعض المنافع الدنيوية، فعقد الربا فيه نفع دنيوي لكل من المقرض والمقترض، ولكن منافعه ملغاة لأن الله حرمه، وكذلك عقد الزنا هو منفعة متبادلة بين الزاني والزانية، فالزاني يستمتع ويقضي شهوته، وهي تستمتع وتأخذ أجرتها، وكذلك في عقود الميسر، وبيع الخمر حيث فيها ولا شك بعض المنافع الدنيوية ولكن لما كان الله قد حرمها فإن منافعها الدنيوية تلغى ولا ينظر إليها.

وهذه المعاهدات التي أبرمت مع اليهود إذا احتج محتج بمنافعها الدنيوية، قلنا إن العقد المحرم يقع باطلاً وإن كان فيه بعض المنافع الدنيوية، وجدال من يجادل في منافع الصلح مع اليهود كجدال من يجادل في منافع الزنا والربا والقمار وبيع الخمر.. الخ.

والعقود المبرمة مع اليهود أشد بطلاناً من هذه العقود المحرمة، لأنها عقد على إسقاط الجهاد، وإسقاط العداوة للكفار، وإخراج المسلم من الإسلام، وسلخه عن أمته ودينه بل وتاريخه وحضارته.

ولا شك أن هذا أكبر إثماً من التعاقد على الربا والزنا والقمار وبيع الخمر.

6 -هذه المعاهدات ستفسد دنيا المسلمين وليس دينهم فقط:

قد يجادل في صحة هذه المعاهدات وجواز الأخذ بها من يظنون أنها ستحقق خيراً للمسلمين في الدنيا، وأنها يمكن أن تجعل عند المسلمين فسحة من الوقت ليستعدوا لعدوهم، وقد يقول من يقول ممن باع آخرته بدنياه بأن ثمرات السلام كبيرة جداً، وأن هذا السلام المزعوم سيأتي بالخير والرخاء على شعوب المنطقة كما يقولون، والصحيح أن الفساد الدنيوي والمادي، والآثار الضارة لهذه المعاهدات كثيرة جداً، يربو أضعافاً مضاعفة على ما يلوح ويظن من المنافع.

ومعلوم شرعاً أنه لا يجوز للمسلمين أن يعقدوا صلحاً مع عدوهم تربو فيه سيئاته على حسناته، وهذا في الشروط الجائزة، لأن مثل هذا يكون تفريطاً في حق المسلمين، وضياعاً لأموالهم، ودنياهم، ومصلحتهم.

وهذا أحد مبطلات العقد مع الكفار كما نص الأئمة على ذلك من حيث أنه لا يجوز إبرام عقد ليس في صالح المسلمين، فكل عقد تزيد خسائر المسلمين فيه على منافعه لا يجوز لهم أن يعقدوه لأنه يكون تفريطاً في حق الأمة، وإعطاء للأعداء بغير سبب للإعطاء، وتقويتهم على المسلمين.

وهذه بعض الخسائر التي تحققت للمسلمين من وراء هذه المعاهدات:

1-أنها تطلق يد اليهود في أموال المسلمين، وتفتح أسواق المسلمين لهم، وترفع الحصار الاقتصادي عنهم، وبذلك تنمو تجارتهم ويستقوون بمال المسلمين على المسلمين، كما فعلوا ذلك في أمريكا وأوروبا فمع أن اليهود قلة في أمريكا بالنسبة لمجموع الشعب الأمريكي إلا أن الدورة الاقتصادية تكاد تكون جميعها بأيدي اليهود، وبالتالي ملكوا ناصية الحياة في أمريكا، واستعبدوا شعبها، وهذا المصير المؤلم سيكون مصيراً للعرب لو فتح لهم باب الدول العربية ليسيطروا على اقتصادها ويعبثوا بهذه الأمة كما عبثوا بالشعوب النصرانية، وجعلوها في خدمتهم وتحت أقدامهم.

ومما يؤسف له أن الشعوب العربية الإسلامية قد تخلى كثير منهم عن آداب الإسلام وأحكامه، وأصبحوا من الشعوب المسرفة التي تنفق أكثر مما تكسب، ولا تكاد تنتج عشر معشار ما تأكل وتركب وتلبس وتستعمل، واليهود عكس ذلك.. فهم أمة مدخرة منتجة عاملة وهذا سيجعلهم في النهاية سادة المسلمين وقادة العرب لأن أموال المسلمين ستحول بالضرورة لتكون بأيدي اليهود، ويصبح أبناء العرب غداً خداماً لليهود: عمالاً في مصانعهم، وفلاحين في مزارعهم، وموظفين صغاراً في مكاتبهم، وتجاراً بالمفرق لكبار تجارهم، ووكلاء صغاراً لشركاتهم، وخدماً لبيوتهم، وبنائين وعمالاً لعماراتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت