(( قدرة الإنسان على إتيان كل عمل لا يضر بالآخرين ) ) ( ) . وهذا التعريف يعطي مفهوماً موسعاً للحرية، بشكل يمنع أي مضايقة، غير أن (المادة الخامسة) من هذا الإعلان، تولت تحديد هذا المفهوم، بالنص على أنه: (( لا يمكن للقانون أن يمنع سوى الأعمال الضارة بالمجتمع ) ). ومن ثم فيمكن لعمل ما أن يضر بفرد من الأفراد دون أن يمس المجتمع ( ) ؛ ولأجل ذلك فقد عرف (لوك) الحرية بأنها:
(( الحق في فعل شيء يسمح به القانون ) ) ( ) .
إن فلسفة الديمقراطية الغربية عن الحرية، يمثلها إعلان حقوق الإنسان فيما يتعلق بالحرية - الصادر في بداية عصر الثورة الفرنسية.
أما الأنظمة الشيوعية (الماركسية) ، فيمثل فلسفتها مذهب (ماركس( ) ) - كما فسره لينين ( ) وغيره في الاتحاد السوفييتي - عقب نجاح الثورة الشيوعية فيها، في (محرم عام 1336هـ -نوفمبر عام 1917م) ، وهو مذهب يصبغ كل مظاهر الحياة بصبغة تختلف كثيراً عما هو سائد في الديمقراطية الغربية.
فالحرية في المعسكرين الغربي والشرقي تعني التحرر من (سلطة) ، لكنها في المفهوم الغربي تحرر الإنسان المحكوم من استبداد سلطة الحكم السياسية. وفي المفهوم الشرقي تحرر الإنسان في نطاق المجتمع من طغيان السيطرة الاجتماعية، التي ستتيحها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج (الأرض، ورأس المال، والعمل) ( ) .
ولقد أوضح الفلاسفة الغربيون أهمية حرية الفرد، وأثرها على ارتقاء الإنسان بها إلى طبيعته الإنسانية القائمة على الاختيار والمسؤولية. وقد اكتسبت الحرية قيمتها التاريخية من ثورات الديمقراطية في إنجلترا، والولايات المتحدة، وبشكل خاص مع الثورة الفرنسية ( ) .
2 -الاتجاه إلى الواقعية في فهم الحرية في العصر الحديث:
إن الإنسان ليس كائناً منعزلاً عن أقرانه، حتى تتحقق حريته بتصرف إرادي من جانبه، وإنما هو إنسان يعيش في مجتمع، ويخضع لدولة؛ ولذلك فليس ثمة محل للحديث عن الحرية المجردة، باعتبارها أمراً يخص الفرد وحده، وإنما يجب أن ينظر إليها في ضوء علاقة الإنسان بالمجتمع الذي يعيش فيه، والدولة التي تحكمه.
وقد نظر فقهاء الغرب إلى الحرية على هذا النحو - حقيقة -، غير أنهم انقسموا إلى فريقين تبعاً للزاوية التي اتخذوها للوصول إلى ما يبتغون.
فالفريق الأول نظر إليها على أنها - أي الحرية - هي التي تخلص الفرد من قيود معينة يفرضها التعقيد الذي يصاحب تطور المجتمع، وما يقتضيه هذا التطور من أساليب التحضر المعقدة.
أما الفريق الثاني فقد نظر إليها على أنها هي التي توصل المجتمع كله إلى حياة متحضرة.
والمتأمل في النظريتين - العاطفية والتقدمية -، يجد أنهما صدرتا عن تصور جديد للحرية، هو: اختفاء القيود ( ) .
3 -استخدام مفهوم الحرية:
إن لمفهوم الحرية استخداماً خاصاً في تاريخ الفكر الفلسفي، إذ تشير هذه الكلمة إلى الظروف الناشئة عن علاقة الإنسان بالإنسان، أو إلى الظروف الخاصة بالحياة الاجتماعية.
ومن المعروف أنه عندما يقيد معنى هذه الكلمة، تنشأ اختلافات بين المفكرين والباحثين في وجهات النظر في تحديد مفهومها.
وفي كل الأحوال تتضمن كلمة (الحرية) معنى (( انعدام القسر ) )، وهذا ما يؤكده - في هذا الحال - المفهوم التقليدي الأوربي - من خلال المفهوم الليبرالي والفردي - الذي يشير إلى حالة تتميز بانعدام التقيد، أو القسر الذي يمكن أن يفرضه إنسان على إنسان آخر.
فالإنسان حر بقدر ما يتمكن من اختيار أهدافه، ونهج سلوكه، دون أن يرغم على عمل لم يختره بنفسه. وهذا النوع من الحرية يدعى بالحرية الليبرالية.
والشروط الضرورية لوجود الحرية - بالنسبة لمن يعتنق هذا المبدأ -، ما يلي:
1 -عدم وجود القسر الخارجي، أو غياب القيود التي تمنع المرء من اختيار أمر ما يود اختياره.
2 -انعدام الحالات الطبعية التي تمنع المرء من تحقيق هدف مختار.
3 -امتلاك الوسيلة - أو القوة - لتحقيق الهدف الذي يختاره الإنسان بمحض إرادته؛ لأن امتلاك الوسيلة أو القوة لتحقيق الأهداف المفضلة جزء من الحرية. وهذا يؤكد مقولة: (المرء حر في عمل شيء ما، يتضمن أن المرء قادر على تنفيذ هذا العمل) ( ) .
وقد أفادت نداءات الحرية الفردية - ابتداء من عصر النهضة، ثم في عصر ثورة الحضارة الصناعية -، حق المرء في التفرد وتنمية ذاته علماً ومالاً وفهماً متمايزاً لواقع حياته، وصورة مستقبله ( ) .
وبما أن الفرد يعيش في مجتمع يعتبر أن الغاية الأولى للنظام الجماعي هي احترام حرية الفرد، واحترام إرادته، كان من الواجب أن تكون روابطه بغيره من أفراد الجماعة، أساسها الإرادة الحرة، فلا يخضع لواجبات إلا إذا ارتضاها مختاراً، وكل التزام أساسه الرضا والاختيار يتمشى مع القانون الطبعي؛ لأن هذا القانون إنما يقوم على الحرية الشخصية ووجوب احترامها.
فالإرادة - إذاً - هي مبدأ القانون، وهي الغاية التي ينتهى إليها، وما مهمة القانون إلا تحقيق حرية كل فرد، بحيث لا تتعارض مع حرية الآخرين ( ) .
4 -الأسباب والعوامل التي ساهمت في انتشار مفهوم الحرية: