فهرس الكتاب

الصفحة 13456 من 27364

لا، لست مبالغة، ولا متوجسة، ولا متشائمة، وآمل ألا تكون نهايتي ونهاية قومي - حفظهم الله - كنهاية زرقاء اليمامة وقومها. فنحن على يقين بصدق الإحصاءات العالمية التي تؤكد خصوبة هذه الأرض وأهلها، فغناها وافر - ولله الحمد - ورجالها ونساؤها مباركون، إلى حد أصبح شبابنا بنين وبنات، هم معظم سكان البلاد، وبالتالي من الواجب علينا أن نهتم بهم وبفكرهم، ونحاول إيصال الحقائق لهم دون مواربة، ودون تحيز، نوضح لهم حقيقة ما نجده من تهديد من فئة إرهابية ليست منا فكرا وسلوكا، كما نوضح لهم في المقابل حقيقة الفكر النشط المنظم المدعوم من الخارج، فكر يعمل على توجيه ولاء هؤلاء الفتية والفتيات للغرب قلبا وقالبا، فالمؤسسات التعليمية والبحثية والإعلامية الخارجية تحاول جاهدة تغيير مفاهيم أبنائنا بحيث يزدرون كل ما هو موروث، ويجلون كل ما عداه من مفاهيم وأفكار وأنظمة اجتماعية، وحبذا لو تعارضت هذه المفاهيم والنظم المستوردة مع معطيات ديننا الإسلامي وتقاليدنا المتوارثة، وحتى أكون واضحة في حديثي أفيد القارئ بأن تجربتي والتي استقيتها منذ نعومة أظفاري ومن خلال مؤسسات تعليمية خارجية، تجعلني أجزم أن ذلك هو ما يراد لنا من البعض.

ولنرجع إلى خلاصة هذا التقرير الخطير، لقد حدد صفات المسلم المعتدل المستهدف بالدعم بالآتي:"الليبراليون الموالون للغرب، الذين لا يؤمنون بضرورة الالتزام بالشريعة الإسلامية، الرافضون للاحتكام للشريعة، المؤمنون بحرية المرأة في الاختيار والتعايش مع الرفيق- العشيق - وليس الزوج"، ولم يكتف التقرير بذلك بل حدد بعشر نقاط مقياسا يقاس من خلاله اعتدال المسلم المستهدف، فهو يروج لتيارين دينيين إسلاميين فقط هما:"التيار التقليدي"أي التيار المواطن البسيط الذي يكتفي بأداء الصلاة بصورة روتينية وليس له أدنى اهتمامات أخرى، و"التيار الديني الصوفي"الذي لا يضر مصالح أمريكا بشكل خاص، كما لا بد أن يكون أصحاب هذا التيار ممن يزورون الأضرحة، الشرط المعتمد لكل من هذين التيارين أن يكون كل منهما معارضا لكل ما يطرحه التيار الوهابي ولذا كان طبيعيا أن يحذر من"سطوة المال السعودي الوهابي"ولسنا بحاجة لبيان أن الدعوة الوهابية نابعة جملة وتفصيلا من المذهب الحنبلي، ولسنا في حاجة لبيان أننا لا نعرف الدعوة الإصلاحية للإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله بالوهابية، ولسنا بحاجة أيضا لبيان أنهم عند ذكر"الوهابية"إنما يقصدون الإشارة إلى بلادنا المملكة العربية السعودية.

والغريب في هذا التقرير كما أشار الدكتور خفاجي في عرضه أن تقاريره السابقة كانت تزعم أنها تدعو لمساندة المسلمين المعتدلين، في حين جاء تقرير عام 2007م واضعا كل المسلمين في سلة واحدة، إذ دعا إلى التعامل مع المسلمين ككل لا الإسلاميين المتطرفين، فقد عبر عن ذلك بقوله"إعادة ضبط الإسلام"دون تفريق بين المتطرف المنبوذ حتى من قومه، وبين المعتدلين الذين هم الغالبية العظمى من المسلمين كما يطرح تقرير"راند"وضع فكرة الاستعانة بتجربة الحرب الباردة لضرب الشيوعية من الداخل، في التعامل المستقبلي مع العالم الإسلامي، عن طريق بناء أرضية من المسلمين أنفسهم من أعداء التيار الإسلامي، والاهتمام بالجانب الإعلامي مثل تجربة راديو (ليبرتي) الذي كان موجها لروسيا الشيوعية، وهنا أشار الدكتور خفاجي لما تنفقه الفضائية"الحرة"وراديو"سوا"من مبالغ تصل إلى (671) مليون دولار سنويا، تتكفل بدفعها وتوفيرها الإدارة الأمريكية، علما أن الدستور الأمريكي ينص صراحة على عدم تمويل الحكومة الأمريكية لأي مؤسسة إعلامية !

ولست هنا في موضع الفكاهة لأضحك أو لأضحككم على ما قد يعتبره بعضنا أضغاث أحلام، إذ حقيقة أخشى أن يضحكوا هم في النهاية لو عمدنا مع سبق الإصرار والترصد إلى إهمال توضيح الحقائق لأبنائنا وبناتنا، فالأفكار الغربية تروج عامدة تخدير عقولهم عن طريق تشويه مقدراتنا الدينية والوطنية، مستخدمة مصطلحات فارغة في مضامينها، فتلك ديموقراطية تدار عجلتها على أرضهم بأموال أصحاب المصالح، وتلك حرية هي أشبه بالإباحية الفوضوية من حرية العقلاء، وهذا دين ووطن يراد أن يفرغ من مضامينه لتحل بدلا منها مضامين غريبة موحشة.

إن ما أطلبه اليوم أوجهه للوطن"المملكة العربية السعودية"بشكل خاص، وللعالم العربي والإسلامي بشكل عام، ولكل المؤسسات الدينية والفكرية والإدارية والإعلامية، للنظر للقريب والبعيد من أيامنا، لنخطط لسنوات قد لا نكون سائرين على الأرض حينها، لنعيش لا ليومنا أو لغدنا القريب بل للبعيد، لننظر إلى عام 1450هـ 2030م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت