فهرس الكتاب
الدراسة الأخيرة لمؤسسة (راند) التي تعتبر أشهر خزانات التفكير السياسي Think Tanks في الولايات المتحدة الأمريكية، والأقرب (عقدياً) للبنتاجون وفكر المحافظين الجدد، تمحورت حول كيفية بناء شبكة من الإسلاميين المعتدلين، وانطلقت الدراسة التي جاءت في 217 صفحة من فرضية أن الصراع مع العالم الإسلامي هو «صراع أفكار» وأن التحدي الرئيس الذي يواجه الغرب يكمن في قدرة العالم الإسلامي على ضبط المد الأصولي، وارتكزت الدراسة في فرضيتها على عاملين أساسيين أولهما أنه رغم ضآلة حجم الإسلاميين الراديكاليين في العالم الإسلامي، إلا أنهم الأكثر نفوذاً وتأثيراً ووصولاً لكل بقعة يسكنها الإسلام سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية، وثانيهما ضعف التيارات الإسلامية المعتدلة والليبرالية التي لا توجد لديها شبكات واسعة حول العالم كتلك التي يملكها الأصوليون. الجديد في استراتيجية (راند) استخدام مصطلح العالم المسلم، عوضاً عن العالم الإسلامي، لتمييز التعامل مع المسلمين، وتصنيف (راند) لأبناء المنطقة، إلى ثلاثة قطاعات رئيسة: المعتدلون التقليديون، المسلمون الليبراليون، والعلمانيون، وكذلك تغيير منهجية العمل الإعلامي/ السياسي من التركيز على القلب (المنطقة العربية) إلى التركيز على الأطراف الإسلامية (الأقل مقاومة) ماليزيا، اندونيسيا وغيرهما، كما تقترح الدراسة بناء شبكة الإسلام المعتدل من خلال أجنحة رئيسة، جناح أوروبا، جناح شرق آسيا، جناح الشرق الأوسط، للوصول إلى الأهداف الرئيسة.
وتبقى إشكاليات الاستراتيجيات الأمريكية الموجهة للشرق الأوسط أنها تتجاهل العناصر الرئيسة وتقفز من الأسباب إلى النتائج، وتعمل على معالجة الأعراض، عوضاً عن مداواة العلل، ففشل مشروع الدبلوماسية الشعبية لتحسين صورة أمريكا في العالم الإسلامي، انه كان (أحادي) التوجه، ويتجاهل أسباب الأزمات، بمعنى أن المشاريع الأمريكية الاستراتيجية لا تتضمن إجراء تحولات في العقيدة والسلوك الأمريكي نحو المنطقة وأهلها، وإجراء تغييرات في الخطاب والفعل الأمريكي السياسيين لجهة الموقف الأمريكي من الصراع العربي الإسرائيلي، والموقف من الإسلام، وبقية ملفات المنطقة.
كما أن الاستراتيجيات يفترض أن تكون نتاج عقل جمعي (فريق متنوع) وعبر سلسلة من ورش العمل ومجموعات التركيز، وليس فكر شخص أو شخصين يعتقدان بالحصول على تنازلات دون دفع تكاليف بالمعنى السياسي والحضاري.
المصدر: جريدة عكاظ
"راند"واللعب على الأطراف !
خالد عبدالله المشوح
اللعب على الأطراف ودعم الليبراليين والإسلام الصوفي وتحجيم دور المسجد أبرز القضايا التي طرحتها مؤسسة"راند"في تقريرها للعام 2007 م، وهي المؤسسة الأمريكية المؤثرة في السياسة الخارجية والتابعة لوزارة الدفاع الأمريكية والتي تبلغ ميزانيتها السنوية البحثية 150 مليون دولار، وهذا بلا شك يعد انقلابا وتحولا عما صدر من ذات المؤسسة سابقا ومنهجية البحث فيها، مما يعكس التحول في فهم المؤسسة لدور الدين في العالم الإسلامي حيث اقترح التقرير تكرار تجربة الحرب الباردة من خلال إعادة صياغة الإسلام عبر أسئلة اعتبرتها المعيار الصحيح للاعتدال الإسلامي وكان الجزء الغريب منها: أن الشبكات المعتدلة هي تلك التي لا تؤمن بالشريعة الإسلامية وتتبنى العلمانية وتمارس الإسلام الصوفي التقليدي! (الذي يقبل الصلاة في القبور) حسب التقرير، وهي كلها معايير غريبة لمقاييس الاعتدال الديني وإن كانت غير مسبوقة وتنبئ بمدى جهل تلك الدوائر بالمعتقدات الإسلامية لدى المسلمين وأنها ليست أيديولوجيات قابلة لبروستريكا شبيهة بتلك السوفيتية التي فككت الشيوعية بعد ذلك معلنة انتصار المعسكر الرأس مالي!
إن نشر الإسلام المعتدل لا يمكن أن يأتي بتوصية أمريكية أو غربية كما أن الديموقراطية لا تأتي على دبابة تحمل العلم الأمريكي، بل هو هم لدى المسلمين أنفسهم وشأن ديني داخلي لدى علمائهم ومثقفيهم ومفكريهم، لكن يوم أن عجزت هذه النخب عن طرح آرائها أو أنها لم تتناغم تلك الآراء مع (الإسلام الأمريكي) كما أسماه التقرير!، برزت أطروحات تشكل"راند"أحد أقطابها المحركة لاسيما وأن سياق تقرير المؤسسة طرح تحجيم وإخراج أكبر مؤثرين في العالم الإسلامي السلفية (الوهابية) والأزهر لما تشكلانه من جمود وعدم تناغم مع المشروع الأمريكي في المنطقة مما جعل كاتب التقرير يوصي باللعب على أطراف العالم الإسلامي كإندونيسيا وماليزيا وغيرها.
لكن إذا كانت الإدارة الأمريكية وخلال أربع سنوات فشلت في نشر الديموقراطية، وتداركت ذلك بالتوصية من جديد إلى إيقاف تصديرها ودعم إسلام معتدل من المنظور الأمريكي - بدل إسلاميين معتدلين - مما يعني تشكيل أجندة إسلام جديد برؤى جديدة تتوافق بشكل تام والأفكار الأمريكية وهو ما طرح في التقرير بالموقف من الشذوذ الجنسي وحرية المرأة في اختيار الرفيق وولاية المرأة وتولي غير المسلم للمسلمين والموقف من العلمانية والديموقراطية.
وهي كلها جزئيات في فهم الإسلام كديانة لكنها مفصلة للتعامل مع الإدارة الأمريكية كما هو وارد.