فهرس الكتاب
قيمنا في الحقيقة تدعونا إلى عدم الاستنكاف عن المراجعة ومصارحة أنفسنا وإهدائها عيوبها كي نمضي في طريق نجدد فيه محاسبتنا لتحركاتنا وسياساتنا وأفكارنا بحيث لا يمنعنا اعتدادنا بآرائنا أن نسمع طرقات النقد وإن بدت عنيفة، وإذا كان البعض قد أذهلته الحوادث عن اتهام نفسه بالتقصير، وبمحدودية التأثير وقدرة الفعل والتماهي مع متطلبات المرحلة وأبجديات الصراع وعوارض الأحداث وتبدل الأزمنة وتغيّر الأحوال، ولم يرعو أن يرى جهده يسير في طريق متعرجة أو يعود القهقرى، ولم ينتبه لأدلة نقلية تنير له طريق، فليتعلم حتى من خصمه أو عدوه في مراجعة سياسته، وليطلب العلم ولو من راند!!
إن من اللائق أن ندير الحديث في المقابل لنسأل مجموعات من مريدي الإصلاح أو ظانيه، إن كان راند يقدم الآن وصفة جديدة في مقابل أخرى لم تمض عليها أكثر من أربع سنوات، لدولة بحجم الولايات المتحدة وبثقلها الاستراتيجي الذي لا يمكن تغييره بكل هذه السرعة، ألا يحق لمن رنا ببصره إلى واشنطن أن يعالج قصوراً اعتراه في مجموعة يمضي بهم في طريق هو يجهله سياسياً على الأقل؟!
ألا تراه إذ يندد بما جاء في التقرير أو يحاذره ـ وله كل الحق في ذلك ـ مدعواً لأن يتحلى بقدر أعلى من الشجاعة، فيعالج مسألة الجمود والإقصائية الحوارية في فريق، ويراجع ما جرته قلة الوعي والبراجماتية السياسية اللامسؤولة وغير المؤصلة في فريق، والوصولية في ثالث، واتباع الهوى وانتقائية الفقه في رابع، وأحادية النظرة واختزال التغيير في المواجهة المتهورة في خامس، والاقتصار على الدعوة الوديعة في سادس؟!
فكم من غارقين في الإخفاق لا يزالون في مقدم ركبان التغيير في عالمنا الإسلامي، وكم من سياسات خرقاء أعادت كثيرين إلى المربع الأول ونقطة الصفر أو ما دونها أحياناً..
• أما مجمل التقرير نفسه من جانبه الأكاديمي، فبديهي أن نذكر أن هذا التقرير ليس كتاباً مقدساً لا عندنا ولا عند واضعيه، وبالتالي فإن ما جاء به لا ينبغي أن تنسدل عليه ستائر القداسة وأكاليلها، وبرغم بديهية هذا المفهوم؛ فإن"هزيمة نفسية"حيال ما يترجم عن الغرب ـ لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ـ و"إسرائيل"نجدها في بعض الأوقات من أناس طيبين في محيطنا الإسلامي تدعونا إلى إعادة التذكير بذلك، بخلاف أناس اعتادوا أن يصطادوا في الماء العكر باستخدام عبارات من داخل تقارير كهذه للتدليل على أشياء ربما ألقيت في طريق هؤلاء عمداً، فالذي قرره تقرير استخباري"إسرائيلي"نشر مؤخراً عن أن وسائل الإعلام العبرية قد بدأت منذ فترة ليست قصيرة بتوجيه القارئ العربي من خلال تقاريرها، حين وجدت أن ما يترجم عنها يكاد يكافئ ما يقرؤه مغتصبو فلسطين على قلة عددهم في محيط عربي كبير !!
وهذا ما جعل كبريات الصحف والفضائيات العبرية تهتم بقارئها ومشاهدها العربي كما العبري فتلقي أمامه ما تريد أن تلقيه، ومن هنا؛ فإنه من الواجب أن نؤكد على أن الحكم على"الدعاة الجدد"لا ينبغي أن يتم من خلال راند ولا غير راند من التقارير الغربية أو سواها من المصادر غير البريئة والتي قد يمكنها تشويه من أرادت من الأشخاص متى رأت أن لحديثها عنهم ثقلاً في عقول خصومها المأخوذين إليه؛ فليس من"خصائص أهل السنة والجماعة"الحكم على الرجال من خلال راند!! وإنما بمدى قربهم أو بعدهم عن ثوابتنا نحن.
• أيضا؛ فإن هذا التقرير أو غيره، هو من شأنه أن يخاطب الرأي العام مثلما هو يقدم توصيات لمطابخ صنع القرار، ولا يمكن الجزم بأيهما يطغى تأثيره على واضعي التقرير، أو لنفترض وضعاً قد يكون مألوفاً للبعض، وهو أن هذا التقرير هو النسخة العلنية من التقرير الأصلي، وعلينا أن ندرك أن قارئ التقرير ومترجميه إلى لغات الدنيا، هم أكثر بكثير جدا من صناع القرار الأمريكي الرئيسيين، وندرك أيضاً أن التقرير موجه إلى الرأي العام الأوروبي بالخصوص و الأمريكي بنحو أكثر خصوصية، وبالتالي فعلينا أن نقرأ من بين سطوره مثلاً، تشويهاً متعمداً لشخص النبي صلى الله عليه وسلم ، وللقرآن، ولسنته، وهدماً لثوابت أخرى، كصحة أحاديث البخاري، وبعض الأحكام المتعلقة بالمرأة وما إلى ذلك، وهي أمور موضوعة بهدف دعائي أكثر منه تنبؤاً بإرهاص يسبق ظهور استراتيجية ما إلى حيز التنفيذ..