فهرس الكتاب
كما أننا من الممكن أن ننظر إليه كحالة معبرة عن توطئة رأي عام عالمي أو محلي للقبول بأشياء قد يجد البعض اعتراضاً عليها من الجانب"الأخلاقي والإنساني"، فمثلاً حينما كان الحديث يدور على الحروب الاستباقية خلال عهد كلينتون، كان المصطلح دعائياً في الحقيقة أكثر منه يمثل تحولاً استراتيجياً عملاقاً، فما درج عليه الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص ليس إلا تجسيداً لهذه الحروب من قبل أن تهيئ لها المراكز البحثية هذا المسمى"اللطيف"، فهل كانت جميع الغزوات"الاستعمارية"إلا"حروباً استباقية"، بل هل قامت الولايات المتحدة نفسها بنَفَسِها الأوروبي بسياسية الأرض المحروقة حين انتزعت الهنود الحمر سكان القارة الأمريكية من بلدهم الأصلي وهجرتهم إلى الآخرة إلا بحرب استباقية شنتها عليهم حفاظاً على"مصالح"الرجل الأبيض في"وطنه الجديد"؟!
• وعطفاً على النقطة السابقة، هل ترانا لاقينا جديداً يذكر في راند يستأهل حذراً مبالغاً فيه منه؟! ربما نعم، ثمة عبارات جديدة، وثمة مفردات جديدة.. تغيرات في المبنى، غير أن المعنى لم يتغير، فمعايير الاعتدال التي حواها التقرير والتي يرى الكثيرون أنه لا يمكن أن يقر بها مسلم، أو صاحب أدنى اعتزاز بثقافته الشرقية وحضارته ولو لم يكن مسلماً في بلاد العرب وغيرها، مرسومة في أدبيات كثيرة في التقارير الغربية، ومن لا يريد أن يحمل نفسه عناء الترجمة والبحث، فسيجدها في ثلاث كلمات"..حتى تتبع ملتهم"، ومن يعجب لحديث راند الصريح عن الصوفية ووجوب دعمها أمريكياً، فهو ذاهل في الحقيقة عن ممارسات جرت بالفعل خلال الحقبة"الاستعمارية"وبوسعه أن يعود إلى التاريخ الحديث وإلى كتابات المؤرخين عوضاً عن انتظار الجديد في تحليل التقرير الحديث، ومن يفهم راند على أنها مجاهرة بالعداء سافرة، فهو محق تماماً غير أنه لم يأت بجديد، ومن هاله أن يدعو التقرير إلى دعم الطابور الخامس في بلادنا فهو بحاجة لأن يقرأ رسائل بونابرت إلى هذا الطابور..
• غير أن التقرير في الحقيقة لم يخل من فوائد، نستطيع إجمالها فيما يلي:
1 ـ كشف عن دوران الغرب في حلقاته التقليدية المفرغة، ومنها مثلاً دعم حركات التصوف في بلادنا، أو هو أراد أن يوحي بذلك، وهو بنشر هذا التقرير بهذه الصراحة قد يكون يريد التمهيد لجولات تناوشية بين ما أسماه بالإسلام السني والإسلام الصوفي، أو للدقة يريد أن يغري كل طرف بمحاربة الآخر، فضلاً عن تقديم دعم حقيقي لبعض المنسوبين للأخير، وهو موضوع يستلزم نوعاً من الحذر في تناوله من قبل المنظرين المسلمين، لاسيما وتقرير 2004 كان يحمل في طياته"تبشيراً"بالاحتراب السني/الشيعي، وبالتالي؛ فإن الحكمة تقتضي النظر بروية لمثل هذه الأمور، لاسيما وأن الغرب يدرك أن التصوف إذا ما تم خصمه من الطرف السني فلن يكون إلا رصيداً عند الطرف الشيعي في المعادلة التي ساهم الغرب في إظهارها بهذا الوضوح، وإذا وضعنا في الاعتبار أن ما يسمى بالمجلس الأعلى لشيعة آل البيت في مصر يزعم وجود 10 ملايين شيعي في مصر استناداً إلى وجود الكثيرين من المتعاطفين فقط مع التصوف بكافة ألوانه من غلاته (وهم قلة) إلى معتدليه من المنتسبين اسماً إلى التصوف وهم من أهل القبلة المتلبسين ببعض المعاصي، فهو يعني أن التعامل غير الحكيم مع قضية كهذه استناداً إلى تحريش راند وغيرها، سيفضي ربما إلى مآلات غير محمودة على المدى القصير والمتوسط، وقد يوسع هوة يمكن تضييقها عبر الحوار والمناصحة والتوجيه، وعدم وضع كل الطرق الصوفية في خانة واحدة.
2 ـ بالحديث عن شق"الدعاة الجدد"ورغبة التقرير في أن يراهم جميعاً خارج المسجد، لا يمارسون وعظهم وتوجيههم وتعليمهم من داخله، إنما يطلق تحذيراً لابد أن يصخ آذان هؤلاء، بأنهم ربما قد يقعون تحت طائلة مشكلة لَطالما حذر منها المخلصون من الخشية من تفريغ المساجد من أدوارها التأثيرية التي كانت تقوم بها في السابق، واختزال فاعلية القدوة والمعايشة والتأثير الروحي في حيز الشاشة الضيق وجموده، وبثها التقني الخالي من انبثاث الروح التي تتجاوز حدود الكلمة وأناقة المشهد التلفزيوني، والذي بدا من قبل التقرير أنه مسألة متعمدة، تحدو هؤلاء إلى إعادة النظر في الاقتصار على هذا المشهد دون غيره مما يحدث التغيير الكيفي لا الكمي الذي يأخذ الجميع إلى خانة أرقام المشاهدين الهائلة.