فهرس الكتاب

الصفحة 13485 من 27364

وأظنّ تقارير راند الأخيرة تشهد لما أقول ، فإنَّها حملت على عاتقها محاولة إبعاد الدين لا استبعاد البعد الديني .. ويكفينا لتبيّن خطورة تقاريرها التي تتبنى هذه السياسة: ما نعلمه من أنها إحدى المؤسسات المعنية بالدراسات المستقبلية والخطط الاستراتيجية الأمريكية ، ومع أنَّ مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنَّ لها مكتبا فاعلاً في دولة عربية مجاورة . ويتجلى خطرها أكثر وأكثر في استهداف تقريرها السابق تغيير الإسلام ذاته ، إذ كان عنوان ذلك التقرير: ( الإسلام الديمقراطي المدني: الشركاء والمصادر والاستراتيجياّت ) ، وقالت المشرفة على التقرير شاريل بينارد زوجة خليل زلماي ) ! مُلمِحَة إلى صعوبة المهمّة: « إنَّ تحويل ديانة عَالَم بكامله ليس بالأمر السهل . إذا كانت عملية بناء أمّة مهمّة خطيرة ، فإنَّ بناء الدِّين مسألة أكثر خطورة وتعقيداً منها « .

3)وعوداً على بدء ، فإنَّ من المهم في علم الدراسات المستقبلية: الاهتمام بالمعلومة المؤثِّرة ، حتى كان من قواعد هذا العلم قول بعض المختصين: ( اصدقني في المعلومة أصدقك في التنبؤ ) ..

ولمَّا كانت معلومات راند حديث نفس عدائي في حرف مكتوب ، صادر ممن يعلن عداوتنا ، ويكشف سوء رؤيته لنا ، فينبغي أن نقرأ التقرير قراءة استشرافية جادة ، لا تَغفل عن المنطلق الأيديلوجي والبعد الثقافي والإسقاط التاريخي الذي ينتهجه الرانديون في وضع استراتيجيتهم ضدنا ..

وبالعودة لتقرير راند السابق ( الإسلام الديمقراطي المدني ) نجد الآلية الأخطر لتحقيق مرامي التقرير مُعلنة في العنوان كما نجد تفاصيلها في صفحاته ؛ وفي مقابلة أجراها معها موقع Muslim Wakeup أكَّدت شاريل بينارد ذاتها: ضرورة دعم الحداثيين والمفكرين الذين يخدمون أهداف التقرير ومشاركتهم مشاركة فعالة، وذكرت أن هذا الدعم لا يلزم أن يكون علنياً وعلى الملأ! وحتى لو أدى هذا الدعم إلى اتهامهم بالعمالة للغرب فلا بأس؛ لأنهم مصنفين من قبل الأصوليين كأدوات للغرب على أية حال؛ لذلك فإنَّ دعمهم -على الأقل- يجعل ميدان الصراع بين الفريقين متوازنا نوعاً ما! وإذا كان هذا قول شيريل فليصدقوها أو ليكذبوها!

4)وفي التقرير الأخير ( بناء شبكات إسلامية معتدلة ) جاء التصريح بإسقاط مرحلة تاريخية قريبة على فكرته التصادمية مع الإسلام وأمة الإسلام كدرس من دروس الحرب الباردة ، بغية إقناع أصحاب القرار برؤيته عبر التذكير بنشوة آثار تلك الحرب ضد السوفييت ، منضما بذلك إلى من يعتبرون الإسلام العدو الجديد ، وهو ما لم يكتف التقرير بالإشارة إليه بوصفه دينا يحول دون الرضوخ للأمركة ، والقبول بالدمقرطة المغرية بزخرف القول ، دون وضعها في ميزان عدله - فحسب ، وإنَّما صرّح به في ثناياه .

وهذا ما صار أمراً مكشوفا يُعلنه المفكّرون الغربيون الأحرار من التبعية للمحافظين الجدد ، وللسياسة الخارجية الأمريكية ، وهذا ما أكَّده في كتابه ( أمريكا المستبدة ) إذ يقول: « أدركت الولايات المتحدة أن التنوع السياسي والجغرافي والتاريخي في العادات والتقاليد والمعتقدات والقوانين والثقافات يشكل حواجز و روادع إنسانية وأخلاقية أمام انتشارها فكان لابد من وضع خطط تفرض الرأي الواحد وتمحو هوية الآخرين « ، وأكتفي بإيراد هذا النص ، الذي يكشف لنا بعض خلفيات وضع الخطط الاستراتيجية للسياسة الأمريكية ، التي تُعد مؤسسة ( راند ) من أهم جهات تنظيرها إن لم تكن الأهم .

4)ما أحب التركيز عليه في قراءة التقرير قراءة استشرافية ، هو: لب الفكرة الراندية المتمثلة في وضع استراتيجية لتبديل الدين وتغيير أحكام شريعة رب العالمين . ولمَّا كان القوم لهم تجربة ناجحة في تبديل دينهم المحرّف ، فإنَّ من عبر التاريخ أنّ نضع خلفيتهم تلك أمام أعيننا ونحن نقرأ أفكارهم . ذلك أن علم الاستشراف يقوم على منهجيات تعتمد أمورا منها: وضع المشاهد المستقبلية ( السيناريوهات ) في ضوء أنماط المشاهد الماضية ، وبتعبير آخر: الإفادة من التجارب الناجحة في الماضي في وضع الاستراتيجيات للمستقبل .

والتجربة الخطيرة التي لا أظنها تغيب عن المنظرين الغربيين من الليبراليين على وجه الخصوص ، هي تلك الوثيقة الكنسية أو ( المدونة البابوية ) التي وضعتها الكنيسة الغربية لها ولأتباعها متخلية بها عن ثوابتها ، وما كانت تقضي به لنفسها من حقوق وما تضعه من واجبات ، لتحظر عليهم ما كان واجبا في ديانتها ، وتحجِّر عليهم ما كان واسعا في نظرها ، وتمنح فيه خصومها من اللادينيين مكاسب هائلة تتمثل في تخليها لهم عن الشؤون السياسية والعلمية وحتى الدينية تحت مسمى ( المدنية ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت