فهرس الكتاب

الصفحة 13488 من 27364

وفي بيان المشهد التاريخي ، سأبدأ بعرض بعض مواد تلك الوثيقة البابوية والتنازلات الكنسية ، التي وضعها المتدينون النصارى لغير المتدينين ، وإن شئت فقل: قدَّمها الكنسيون للملحدين دون مقابل ! وعنونها خبيرُ الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية أستاذُنا د. محمد بريش بـ ( الاستبداد الديني ! أو كشف اللثام عن المدونة البابوية للمحظور من الفكر والكلام - حفريات معرفية في جذور صراع الكنيسة مع العلمانية ) . ولم يجانب أستاذنا الحقيقة في عنوان دراسته ، فقد جاءت المادة (19 ) من تلك الوثيقة بتنازل كبير يمنح السلطة غير الدينية تحديد حقوق الكنيسة ، وهذا نص ما جاء في المدونة البابوية !: « الكنيسة ليست مجتمعا صحيحا ومثالياً كامل الحريّة ، وليست لها حقوق خاصّة ودائمة ومخوّلة لها من طرف مؤسسها المقدس، بل من حق السلطة المدنية أن تحدد ما هي حقوق الكنيسة، وفي أي حدود يمكنها ممارسة تلك الحقوق « .

وجاءت المادة (31 ) بتنازل عن سلطتها في جانب الأحكام المدنية والجنائية ، ونصه: « إن المنتدى أو المحكمة الكنسية للأحكام الدنيوية لرجال الدين ، سواء على الصعيد المدني أو الجنائي ، يلزم أن تلغى كليّة ، وحتى بدون استشارة الكرسي البابوي ، ودون أي اعتبار لاحتجاجاته « .

بل منحت السلطة المدنية حق التدخل في القضايا التي تتعلق بالدين والتوجه الروحي ! كما في المادة (43) ونصها: « يحق للسلطة المدنية التدخل في القضايا التي تتعلق بالدين والأخلاق والتوجه الروحي، ومن ثم فإنه يمكنها الحكم على الأوامر والتوجيهات الصادرة عن قساوسة الكنيسة « .

وفي المادة (53) ألغت المدونة الكنسية القوانين التي تحمي ميثاق المجموعات الدينية ، وتعطي الحكومة الحق في مساندة من يتخلون عن دينهم !: « يلزم إلغاء القوانين التي تحمي ميثاق المجموعات الدينية وحقوقها ووظائفها. يمكن للحكومة المدنية أن تساند كل أولئك الذين يرغبون في التخلي عن الحالة الدينية التي اعتنقوها ومخالفة عهودهم الرسمية، وفي نفس الوقت يمكنها -أي الحكومة المدنية- أن تحل كل هذه المجموعات الدينية، وكذلك الكنائس الجامعية، ومكاسبها البسيطة في حق الإشراف، وإخضاع ممتلكاتها ومداخلها لإدارة وقوة السلطة المدنية « .

وفي المادة (55) حققت المدونة البابوية أمنية العلمانيين ، بقولها: « يجب فصل الدين عن الدولة ، وفصل الدولة عن الكنيسة « !

ومن هنا يمكننا أن نبدأ قراءة استشرافية لتقرير راند المعنون بـ « بناء شبكات مسلمة معتدلة وذلك في نقاط تقتصر على الإشارات:

أولاً: لنفترض كيفية وقوع تلك التنازلات:

-ربما كانت نتيجة اختراق للمجالس الكنسية ممن يتظاهرون بالدين !

-أو نتيجة تغييرات تربوية وسلوكية طرأت على بعض القيادات الدينية نتيجة تأثرها بنظريات فلسفية مُخترِقة عالقة ، أو تصرفات كنسية متناقضة ، أو اضطهاد داخلي ، ونحو ذلك من المؤثِّرات ..

-أو نتيجة ضغوط هائلة تمثلت في أكوام من الاتهامات الخطيرة حول ظلم الكنيسة واستبدادها وفسادها وتشويه سمعتها ، لوضعها في موقف الدفاع ، حتى أخذت تدافع بتنازل تلو تنازل ، ويضغطون علميا ( والتصرفات الكنسية الاستبدادية وغيرها قابلة للنقد العلمي ولا شك وهو ما لا يصح إسقاطه على الإسلام ) ، ويضغطون إعلاميا ، حتى أدى ذلك في نهاية المطاف إلى انهيار أهم مبادئ الكنيسة ( المحرّفة ) التي كانت ترتسمها على مرّ حقبها التاريخية ، بأقلام القساوسة والكهنة نتيجة هذه الضغوط وإشغالها بالدفاع الذي يضطرها للتنازل ، ثم إقناعها بفشل مبادئها السائدة آنذاك وتنازلها عنها بإصدار المدونة آنفة الذكر ..

-وربما كانت هذه المدونة صنيع فئة أكثر حضوراً ، وأقوى أثراً وتأثيراً من الفئة المحافظة داخل الكنيسة ، في حين كان المحافظون صوتا خافتا عاجزا ، تمّ تجاوزه بقوة الخروج إلى الواقع بعد صنع قيادات بديلة .

ثانياً: لنقرأ لبّ تلك التنازلات في المشهد التاريخي:

مما يمكن ملاحظته عند محاولة قراءة ذلك المشهد التاريخي: أنَّ الدين لم يُستبعد تماما ، كأثر من آثار التنازلات الكنسية ، وإنّما جُسِّد في شعارات وطقوس ووظائف تابعة فارغة من معاني السيادة والتمكين ، ليحقق أغراض السياسيين اللادينيين في هدوء واطمئنان !

وهذا الأمر ذاته تحقق في الحالة الأوروبية المعاصرة ، فلا زلنا نجد النص على الدِّين في دساتير عدد من الدول ! وهو أمر يطول الحديث فيه وفي دلالاته .

-ومع ذلك فقد كان للمدونة البابوية أثر ظاهر في تغيير مناهج التعليم ، فكان من أُولى الخطوات التي نتجت عن التنازل الكنسي في المجال التعليمي: استبعاد ما يتعلق بذم اليهود في مناهج التعليم الأوربية !

-كما كان لتلك المدونة أثر أكبر في الجانب ( التقنيني ) والقضائي ، فقد تم إلغاء كل ما كان للكنيسة من ذلك ، بنص الماد ( 31 ) السابق ذكره ، بل أعطت المدونة الكنسية للعلمانيين حقا بالتدخل في القضايا الدينية والخلقية والروحية ! وهو ما نصت عليه المادة (43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت