...ولو أردنا أن نلملم شتات كل ما يقال عن وظائف النقد الأدبي ، وأن نصنع منها جوابا موجزا مختصرا مبسطا، يكون فيه ـ كما يقال ـ (( ما قل ودل ) )لما وجدنا أفضل من القول إن وظيفة النقد معرفة الأدب. فإذا سلمنا بهذه المقولة ، فإن الأدب مكون من عناصر مختلفة، وما اللغة إلا واحد من هذه العناصر ومن ثم فإن المنهج النقدي اللغوي وحده لا يبدو قادرا على تحقيق هذا الغرض، ولا بد من منهج نقدي متكامل يوظف جميع المعارف والتقانات في سبيل معرفة الأدب معرفة عميقة ، واستكناه أسراره ودقائقه. ( 35)
بين علم اللغة وعلم الأسلوب
...أن علم اللغة يدرس ما يقال في اللغة وأما علم الأسلوب فإنه يدرس كيف يقال ما في اللغة ... (37)
وتكلم ـ فضيلته ـ عن جريمة علم اللغة الأوروبي على الفصحى، فمن أفكاره نفي القداسة عن اللغات، فليس للغات أية صلة عقدية، أو دينية، أو وجدانية، بحياة الناس فاستوردها العرب ـ كالعادة ـ دون تمحيص، وطبقوها على لغة القرآن:
...وعندما استوردنا نحن العرب عن الأوربيين هذا العلم اللغوي الحديث كما نستورد عنهم كل شيء ، رحنا نطبق ذلك على لغتنا العربية جميع ما نادوا به دون تفكير أو روية ،فاعتقدنا في لغتنا ما اعتقدوا في لغتهم .وسرى إلينا وهم انفصال العربية عن أي جانب ديني أو عقدي أو وجداني ،فلم نعد ننظر إليها ـ كما كان يفعل علماؤنا وفقهاؤنا ـ بعين القداسة والإجلال ، أو بعين التوقير والإكبار... (38)
...وصرنا بوحي من هذا الوهم نتحمس للعاميات ونقبل على درسها وتأصيل جذورها ...بل نعد العامية ـ في بعض الأحيان لغة كالفصحى بل محترمة مثلها...وفتحت الأبواب للأدب الشعبي على مصراعيها ، ولم يعد كثيرون يرون حرجا من الكتابة بالعامية، ولم يعد اللحن بالفصحى وركاكة التعبير بها وخرق قواعدها يعد عيبا أو عارا... (38 ـ 39)
ثم أتى ـ وفقه الله تعالى ـ بمثال لأحد الحداثيين وهو يجترئ على اللغة وينتهك قواعدها وجمالها:
الدرج الحالي بزيزفون
والفوقه تعرش يا سمينة
تكوكب السفينة
للحلوة التخطر كالظنون
الدرج الرنا إليّ عهدا
والكاد يشهق لي في دلال...إلخ
فأدخل (أل التعريف) على الظرف والفعل ـ ماضيا ومضارعا ـ وتعمد عددا من الشواذ والتجاوزات في مقطوعة سقيمة لا تتعدى اثني عشر سطرا... (40)
إن اللغات الأوربية ليست لغات ذات قداسة دينية ، ولا زعم لها أحد ذلك من أهلها أنفسهم...
وأما العربية فهي من الدين وتعلمها دين وقد كان ابن تيمية يرى أن تعلمها فرض واجب على المسلم ... (41)
التجربة الشعرية بين الفن والمعتقد
إن لكل قارئ للشعر طبيعته الخاصة ، وإن كثيرا أو قليلا من الإعجاب بالقصيدة ليرجع إلى كونها تقدم تجربة تشبه تجربة المتلقي ،أو حالة من حالاته... (45)
الالتزام مطلب حضاري
فالالتزام اليوم مطلب حضاري ، لأنه يعني تواصل الإنسان مع عصره، وعيشه فيه. وهذا عصر الأفكار والإيديولوجيات والمذاهب الفلسفية والسياسية والاجتماعية ولا يمكن للإنسان أن يعيش متفرجا على ذلك كله من غير أن يكون له موقف. (47)
وإن الالتزام يجعل الأدب نشاطا جادا فعالا، ذا تأثير في مسار الحياة،وفي حركتها، مما يكسبه المصداقية والقيمة...إن الالتزام يتمشى مع سنة الله في الكون الذي لم يخلق شيئا عبثا... (48)
الالتزام ابن الحرية
الالتزام ابن الاختيار ، والإلزام ابن الإجبار . الأول ثمرة من ثمرات الوعي والإدراك ، واليقظة والمسؤولية والثاني من ثمرات التغييب والإملاء والتسيير وشتان ما بينهما.
إن كل أديب ملتزم هو أديب حر شريف. وإن كل أديب ملزم هو أديب (( مُسيس ) )مستعبد مباع أو مُشترى. (49)
الشاعر والجمهور
إن الحياة الإنسانية ـ بكل عمقها وثرائها وواقعيتها ـ هي مادة الأدب...ولكما كانت صلة الشاعر بالحياة صلة عميقة حميمة كانت حظوته عند الجمهور أبلغ، وكان احتفاء الناس بشعره أعمق وأغزر، وإن انهماكه في قضايا عصره، وتفهمه لمشكلات الناس وهمومهم، وعيشه في ضمير المجتمع، ينبض بقلبه، ويتنفس برئته، هو الذي يدنيه من الجمهور ، ويدني الجمهور منه.
وإن الاتجاه الشكلي، أو الفن من أجل الفن، ليقصران الشعر على القيم الحسية، مجردة عن الحياة والمجتمع... (61)
الغموض واحتقار القارئ
وبدا الغموض ، واحتقار التواصل مع القارئ، من معالم الحداثة البارزة ومما يتباهى به القوم يقول أدونيس:
حيث الغموض أن تحيا= حيث الوضوح أن تموت
ويقول محمود درويش متباهيا بانعدام التواصل:
طوبى لشيء غامض
طوبى لشيء لم يصل
ويقول في موضع آخر:
لن تفهموني دون معجزة
لأن لغاتكم مفهومة
إن الوضوح جريمة. (67)
وفي غمرة النقاش المحتدم حول مشكلة (( الغموض والتواصل ) )تمخضت النزعة الحداثية عن تقليعة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الآداب، وهي (( احتقار القارئ ) )والاستعلاء عليه، أو (( موت القارئ ) )على شاكلة ما يسمى (( موت المؤلف ) )الذي أشاعته البنيوية... (68)