فهرس الكتاب
وهكذا يفقد كثير من الشعر الحداثي وهو يُحدر إلى هذه الوَهدة كلّ هدف، ويصبح ثرثرة لا تهم أحدا ، ولا تهتم بأحد. وإذا كان الشاعر الحداثي لا يبالي بالقارئ ولا يضعه في حسبانه، فلمن يكتب إذن؟ وإذا كان هذا الشعر نتاجا في ذاته ولذاته فلماذا يذيعه صاحبه في الناس؟ولماذا لا يريحهم مما لا طائل من ورائه، حفاظا على هذه الذاتية المزعومة؟ (68ـ 69)
وضوح العمودي وغموض الحديث
إن ادعاء نمطية التعبير في الشعر العمودي وحده، مما يقود إلى جلاء أكثر هو ادعاء غير صحيح، بل إن ظاهرة تكرار الرموز، وتجمد الدلالة، وأنماط التعبيرات التي أصبحت كالرواسم الجاهزة المبتذلة، هي في شعر الحداثة اليوم أكثر بروزا. (71)
القسم الثاني: في الشعر والنثر
تراسل الأجناس الأدبية لا يعني توحُّدها
لماذا يصر مثلا كتاب نثر مجيدون، استوفى نثرهم كثيرا من ملامح الشعر وجمالياته أن يسموا نثرهم شعرا مادام لم يأخذ من الشعر كل شيء، ولا سيما الوزن، أبرز خصائصه؟ أليس هذا احتقارا للنثر وإشعارا بدونيته؟ (77)
طبقية الأجناس الأدبية
ليس هناك ـ في رأيي ـ جنس أدبي أرقى من جنس آخر، بل لكل جنس طبيعته ووظيفته، وله نكهته وطعمه ومذاقه، وهو يستطيع أن يلج من العوالم والآفاق، وأن يكون له من الحضور ما لا يملك الآخر شيئا منه. (79)
قصيدة النثر وحمار الكتابة
وعلى أن هذا الذيوع لا يدل على أية شعبية لهذا النمط الكتابي، وهو لا يحمل أي مؤشر على رصيد جماهيري له عند المتلقين، بل هو ذيوع موهوم، مُسوّغ بمجموعة من العوامل، من أبرزها:
ـ الترويج الإعلامي الهائل، الذي يشبه (( تسويق ) )السلع الرديئة..
ـ استسهال الكتابة ، واستعجال الوصول.
ـ شحّ المواهب، وانعدام الجدّ والدأب.
إن ما يدعى قصيدة النثر هو اليوم مطيّة ذلول، لا تتأبى على راكب ، ولا ترد يد لامس. إنها (( حمار الكتابة ) )كما قالت العرب قديما عن الرجز إنه (( حمار الشعر ) ).. (81)
وانظر غير مأمور لـ ص (82 ـ 86) فقد تحدث عن مرجعية قصيدة النثر، وهل لها جذور وما هي هويتها؟ وقد أفحم القوم وأثبت من كلامهم أنها تقليد غربي، وأنها بلا هوية،حتى أن أدونيس هجر كتابتها واتجه إلى (( ملحمية الكتابة ) )كما يسميها!وقد كان أول من كتبها وشجعها!
هل غربت شمس الشعر العمودي؟
ولنحتكم إلى معجم البابطين الذي صدر حديثا، ويعد موسوعة أدبية ضخمة تمثل الشعر العربي المعاصر إذ ضم (1644) شاعرا من مختلف الاتجاهات والأصقاع. إن هذا المعجم يُري ـ كما ورد في مقدمته التي وضعتها لجنة إعداده ـ أن الذين يكتبون القصيدة العمودية من الشعراء العرب المعاصرين هم أكثر ممن يكتبون أي نمط شعري آخر.
جاء في معجم البابطين (1/42) : جاءت معظم النماذج من الشعر العمودي ، ثم شعر التفعيلة، وجاء بعضها من قصيدة النثر..)
وإذا استحضرنا أن الشعراء في هذا المعجم هم الذين اختاروا نماذجهم بأنفسهم، قدرنا أن هؤلاء الشعراء لم يفقدوا إيمانهم بالشعر العمودي ، وإلا لما اختاروه ليمثل تجاربهم الفنية، ويكون سفيرهم إلى المتلقي. (88)
القسم الثالث: في الحداثة والمثاقفة
سؤال الهوية في الحداثة
وفي أثناء هذا الاكتساب الدائم ، لمجاراة العصور ، لا مانع ـ وقد يكون واجبا ـ أن نستعير من الآخر أدواتٍ في التفكير ، والتنظيم ، والعمل ، والمنهج، وأن نتصالح معها ، وأن نتعامل معها بمودة وترحاب بعد أن نصفيها بمصفاة الهوية ، وأن ننظر إليها عندئذ على أنها من المنجز الإنساني العام الذي اشتركت الحضارات جميعا في الوصول إليه.
إن أخطر ما يصيب الهوية نفسها في مقتل هو أن نجمد عند نصوص تراثية ليس لها أي لون من القداسة أو العصمة، وأن نتعصب لها ، ونحسب أن مناقشتها أو نقدها ضرب من التجديف العقدي، أو التغرب الفكري، أو ينطوي على عقوق للأجداد والآباء. (113 ـ 114)
إن القرآن الكريم نفسه يدعونا إلى النظر الدائم ، والتأمل الجاد، وقد ورد فيه كثيرا أمثال قوله تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ) وقوله ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا) ولا بد أن يقود كل سير، وكل نظر أو تأمل إلى كشف جديد... (114)
الحداثة العربية المعاصرة والتراث
وقد أفاضل القول ـ جزاه الله خيرا ـ عن مواقف الحداثة تجاه تراثنا العربي الإسلامي مستندة على أدلة وأقوال ثم قال في ختام المقالة:
تلك هي مواقف الحداثة العربية المعاصرة غير الراشدة من تراثنا العربي الإسلامي: الانسلاخ منه نهائيا، أو الإشادة بنماذجه الشاذة الهجينة التي تصور انحرافا في فكر الأمة وعقيدتها وسلوكها ، أو تأويل النصوص والأحداث في ضوء إسقاطات فكرية، ومناهج غربية علمانية معاصرة،مما حمل ظلما فادحا ، وتشويها خطيرا لهذا التراث، إذ استخرج غير الأصيل منه، ودفن الأصيل، أو قُوَّل ما لم يقل. (118)
أين عولمة العرب الثقافية؟
إن العولمة بحسب قاموس وبستر هي إكساب الشيء طابع العالمية (123)
إن الثقافة هي خط الدفاع الأخير في هذا الوقت الراهن على الأقل لصمود هذه الأمة ، وحمايتها من الاندثار والسقوط النهائي، وفقدان الهوية الفكرية المميزة. (124)