فهرس الكتاب

الصفحة 14220 من 27364

ولما كان كتاب الله هو كتاب التربية الإسلامية الحقة ، فقد حذر الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين ونهاهم عن خلق السخرية والاستهزاء ، لكي يقوم المجتمع المسلم على الصدق والحق والاحترام والجدية ، بعيداً عن عيوب الجاهلية وأخلاقها ، يقول - سبحانه -: (( يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ، ولا تنابزوا بالألقاب ، بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ). سورة الحجرات آية: 11 .

يقول ابن كثير - رحمه الله - في تفسيرها ( ينهى - تعالى - عن السخرية بالناس ، وهو احتقارهم والاستهزاء بهم ، كما ثبت ذلك في الصحيح عن رسول ا صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( الكبر بطر الحق وغمط الناس . ويروى (( وغمط الناس ) )، المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم ، وهذا حرام ) (8) .

ويقول الإستاذ سيد قطب - رحمه الله - في تفسير هذه الآية: ( إن المجتمع الفاضل الذي يُقيمُهُ الإسلام بهدْي القرآن ، مجتمع له أدب رفيع ، ولكل فرد فيه كرامته التي لا تمس ، وهي من كرامة المجموع ، ولمز أي فرد هو لمز للنفس ذاتها ، لأن الجماعة كلها وحدة ، كرامتها واحدة ، والقرآن في هذه الآية يهتف للمؤمنين بذلك النداء الحبيب:(( ياأيها الذين آمنوا ) )وينهاهم أن يسخر قوم من قوم أي رجال من رجال ، فلعلهم خير منهم عند الله ، أو أن يسخر نساء من نساء فلعلهن خير منهن في ميزان الله .

وقد يسخر الرجل الغني من الرجل الفقير ، والرجل القوي من الرجل الضعيف ، وقد يسخر الذكي الماهر من الساذج الخامل ، وقد يسخر ذو الأولاد من العقيم ، وذو العصبية من اليتيم ، وقد تسخر الجميلة من القبيحة ، والشابة من العجوز ، والمعتدلة من المشوهة ، والغنية من الفقيرة ، ولكن هذه وأمثالها من قيم الأرض ليست هي المقياس ، فميزان الله يرفع ويخفض بغير هذه الموازين .

ومن السخرية واللمز: التنابز بالألقاب التي يكرهها أصحابها ، ويحسون فيها سخرية وعيباً ، ومن حق المؤمن على المؤمن ألا يناديه بلقب يكرهه ويزري به ) (9) .

وخلاصة القول: إن الاستهزاء بالدين وأهله ناقض للإيمان ، سواء كان هذا الاستهزاء خفياً أم ظاهراً .

يقول ابن تيمية - رحمه الله -: ( الاستهزاء بالقلب والانتقاص ينافي الإيمان الذي في القلب منافاة الضد ضده ، والاستهزاء باللسان ينافي الإيمان الظاهر باللسان كذلك ) (10) .

الفصل الثاني: بواعث الاستهزاء

حين يذكر الاستهزاء بالدين وأهله: يتبادر إلى الذهن سؤال بتعجب: لماذا هذا الاستهزاء ؟ ولماذا هذه السخرية ؟! .

ألسنا على الحق ؟ ألسنا من استجاب لداعي الله وآمن به ؟! .

فلماذا يسخر الناس بنا وبديننا ؟!! .

وللإجابة على ذلك أقول: إن للاستهزاء بواعث وعوامل انطوت على نفوس الهازلين الساخرين ، لعل من أهم هذه البواعث والأسباب ما يلي:

1)الكره والحقد من الملأ لهذا الدين العظيم: فإن الله - سبحانه وتعالى - جعل هذا الإسلام طريقاً وحيداً فريداً لصلاح الدنيا والآخرة (( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون ) )سورة الأنعام آية: 153 . فهذا الدين ينشئ الحياة من جديد ، نشأة فريدة ، على نمط فريد عما عهده الناس .

إنه يقلب موازين الجاهلية ، لينشئ - بإذن الله - في هذه الحياة أمة متميزة في كل شئ ، متميزة في فكرها وشعورها ، وسلوكها ، وموازينها ، ومن ثم فإن هذا الأمر لن تقابله الجاهلية - في القديم أو الحديث - بسهولة وترحاب !! كلا بل ستعانده وتقاومه بكل ما أوتيت من قوة ، وبكل حقد وكراهية .

إنها تفعل ذلك ( وهي عالمة بما فيه من الحق والخير ، وبأنه هو الذي يقوِّم ما أعوج من شؤون الحياة ، وتكرهه لأنها حريصة على هذا العوج لا تريد تقويمه ، وتود أن تبقى الأمور على اعوجاجها ولا تستقيم . تكرهه لأنها هي الجاهلية .. وهو الإسلام ) (11) .

قال - تعالى -: (( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) )سورة فصلت ، آية: 17 .

(( لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ من قومه إنا لنراك في ظلال مبين ) )سورة الأعراف ، آية: 59 - 60 .

(( وإلى عاد أخاهم هوداً قال ياقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون * قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة ) )سورة الأعراف ، آية: 65 - 66 .

(( ولوطاً إذا قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون * وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) )سورة الأعراف ، آية: 80 - 82 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت