فهرس الكتاب
إن هذا الكره الذي تصبه الجاهلية على دين الله وعلى الملتزمين به نابع من: (( خشيتها على كيانها ومصالحها وشهواتها وانحرافاتها من النور الجديد ، فهي تحس في دخيلة نفسها مقدار ما انحرفت عن الحق ، وحكمت الهوى واستسلمت للشهوات ، وتحس مقدار ما تحرمها العقيدة الصحيحة حين تحكم الأرض من مصالح ومنافع وشهوات اختلستها اختلاساً في غيبة النور ... يستوي في ذلك الذين استكبروا والذين هم مستضعفون ، فلكل في الجاهلية مصالح ومنافع وشهوات يحرص عليها ) (12) .
وحين أرسل اللهمحمدا صلى الله عليه وسلم إلى الناس بهذا الدين حرر الناس من عبودية البشر وعُبّدوا لله الواحد الأحد ، ومن ثم أصبح الولاء لله وحده ، وليس للعشيرة أو القبيلة كما كان ولاء الجاهلية ، هذا الأمر قد أزعج الملأ الذين يريدون أن يكون الولاء لأشخاصهم وليس لله وحده .
ويأتي بعد الملأ طبقات متعددة من الأمة تكره هذا الدين وتستخدم سلاح السخرية والاستهزاء لمعارضة هذا الدين وأهله ، ومن هؤلاء كتاب وقصاصون وإذاعيون وفنانون ونساء فاجرات متحررات من كل فضيلة ، وأصحاب خمور ومخدرات وغيرهم وغيرهم . يفعلون ذلك لأن عملهم قائم على التجارة المحرمة التي إذا قام دين الله جفف ذلك المستنقع القذر الذي يعيشون في وحله ويتكاثرون في دنسه (13) . إن الحرص الشديد لأعداء الله على طمس وتشويه صورة الإسلام الناصعة أمر لا يجادل فيه إلا مكابر ، لذا لا غَرْوَ إذا استخدمت السخرية والهزء سلاحاً فتاكاً لتشويه هذه الصورة ونشر الضباب المعتم على وجهها المشرق ، ولكن الله مُتِمُّ نورِهِ ولو كره الكافرون .
2)ومن بواعث الاستهزاء:
النقمة على أهل الخير والصلاح: (( إنهم أناس يتطهرون ) )سورة الأعراف ، آية: 82 . فمن المعلوم أن أهل الشر والفساد يزعجهم ويعكر صفو باطلهم وما هم عليه ذلك الطهر والعفاف الذي يتحلى به الأخيار ، لهذا يسعى أولئك المفسدون إلى تشويه سمعة أهل الخير ، ويسخرون منهم ويغمزونهم (( إنهم أناس يتطهرون ) )فعلى منطق هؤلاء المفسدين لا بد من تحويل المجتمع كله إلى مجتمع رذيلة وسقوط ودنس ، أما أن يبقى في الأمة أصحاب طهر وعفة فهذا أمر لا يطيقه الأشرار (( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) ). سورة البروج ، آية: 8 .
3)ومن بواعث الاستهزاء والسخرية: الفراغ وحب الضحك على الآخرين:
فإن الإنسان حين يفقد الهدف الأسمى الذي من أجله جاء لهذه الحياة ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، حين يفقد ذلك يحس - ولا شك - بفراغ قاتل في حياته ، لذا سرعان ما يتجه لدروب الشيطان التي تملأ عليه الفراغ ، ولو كان ذلك بالاستهزاء بالله وآياته ، ورسوله ، والمؤمنين ، وبعض النفوس المريضة لا تتلذذ إلا بالضحك على الناس والاستهزاء بهم ، والسخرية بخلقتهم وأفعالهم ، والافتراء عليهم ، وقد حذر المصطفى صلى الله عليه وسلم من هذا الخلق ، فقال في الحديث الصحيح:"وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله - تعالى - ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة" (14) .
وقد حذر رسول ا صلى الله عليه وسلم هذا الضاحك المضحك الهازل بقول صلى الله عليه وسلم:"ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم . ويل له ويل له" (15) . وفي المسند:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوي بها من أبعد من الثريا" (16) .
أرأيت هذه النصوص العظيمة من الصادق المصدوق r إنها تصور واقع كثير من الهازلين المستهزئين المضحكين ، يختلقون الأكاذيب وأساليب الغمز واللمز بالمؤمنين والمؤمنات ليضحك أحدهم ويضحك الآخرين ، وكم ضاحك بملء فيه والله ساخط عليه ، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
4)ومن بواعث الاستهزاء:
الكبر والنظر للنفس بالعجب والإكبار ، وللغير بالمهانة والاحتقار ، وقد ضرب الله على ذلك أمثلة في كتابه العزيز منها ما في سورة الكهف في قصة الرجلين حيث قال أحدهما للآخر: (( أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ) )سورة الكهف ، آية: 34 . وفي هذا الخلق المذموم يقول العلامة السفاريني: (( المستهزئ بغيره يرى فضل نفسه بعين الرضا عنها ، ويرى نقص غيره بعين الاحتقار ، إذ لو لم يحتقر غيره لما سخر منه ) ) (17) . ثم يقول: (( كل من افتخر على إخوانه واحتقر أحداً من أقرانه وإخوانه أو سخر أو استهزأ بأحد من المؤمنين ، فقد باء بالإثم والوزر المبين ) ) (18) . وخلق الكبر الممزوج بالاستهزاء بالغير من أخلاق فرعون قال الله - تعالى - عنه إنه قال عن نبي الله موسى - عليه السلام -: (( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) )سورة الزخرف ، آيه 52 .
يقول العلامة ابن كثير: (( وهذا الذي قاله فرعون - لعنه الله - كذب واختلاق ، وإنما حمله هذا على الكفر والعناد ، وهو ينظر إلى موسى - عليه السلام - بعين كافرة شقية ، وقد كان موسى - عليه السلام - من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب . وقوله:( مهين ) كذب ، بل هو المهين الحقير خلقة وخلقاً وديناً ، وموسى هو الشريف الرئيس الصادق البار الراشد )) (19) .