أ ـ مصر جزء من العالم ( العربى ـ الأوربى ـ الأمريكى ) ... تلميذة تدعى رانيا وضعت خطاً تحت ( الأمريكي ) ، وأسماء وضعت خطاً تحت ( الأوروبي ) ، بينما وضع أحمد خطاً تحت ( العربي ) ، وخطاً تحت ( الأمريكي ) !!
هذا هو التشوه الحقيقي ونزع الانتماء، والدخول في مراحل سريعة من فقد الثقة وضياع الانتماء.. ولا أحد يتحرك!!
منذ فترة بسيطة أذاعت إحدى القنوات الفضائية المصرية برنامجاً أوضح فيه انتشار الأمية بين تلاميذ المرحلة الإعدادية, حيث وجد بينهم أميون لا يقرؤون ولا يكتبون, وتم مواجهة الوزير بذلك لكنه تهرب كعادته من الإجابة، وناور بعيداً بأسلوب رخيص وكلمات جوفاء، ولم يقل لنا: إن ذلك كان حصاد إلغاء الصف السادس أيام فتحي سرور، وإدخال تدريس اللغة الإنجليزية في الصف الرابع والخامس في عهده, وفي هذا العام زاد الطين بله بقراره تدريس اللغة الإنجليزية في الصف الأول الابتدائي.. نحن لا نعارض تدريس اللغة الإنجليزية، وإنما نعارض تدريسها في تلك المرحلة السِنية، ومزاحمة اللغة الأم بلغة أجنبية في سنوات التعليم الأولى, وليس هذا اجتهاد منا وإنما يحدث في كل الدول المتقدمة والتي تحافظ على هويتها ولغتها.. في فرنسا قانون يحظر تعليم أي لغة غير الفرنسية في جميع مدارس الدولة قبل سن الحادية عشر حتى يتمكن التلميذ من هضم واستيعاب اللغة الأم.
إننا نعيش الكارثة بكل أبعادها وتفاصيلها وتوابعها.. ولا أحد يتحرك!!
عندما جاء"كرومر"إلى مصر كأول معتمد بريطاني فيها قال: ( إن مهمة الرجل الأبيض الذي وضعته العناية الإلهية في هذه البلاد - مصر - هو تثبيت دعائم الحضارة المسيحية إلى أقصى حد ممكن ) ، واختار للتعليم الذي هو وسيلة كل شئ شاب يدعى"دنلوب".. كان دنلوب هذا قسيساً على درجة عالية من الذكاء، وولاه كرومر منصب"مستشار وزارة المعارف المصرية"، وجعل في يده كل السلطات الفعلية لوزارة المعارف.. وضع دنلوب عينه على الأستاذ والتلميذ... يقول الأستاذ محمد قطب في كتاب واقعنا المعاصر: ( كانت عيون المراقبة التي وضعها"دنلوب"تنتقل من المدرس العادي إلى المدرس الممتاز لترى أثره في تطبيق أهداف التغريب فيكافأ على ذلك بإرساله إلى إنجلترا ليزداد صقله، وليُصاغ من جديد صياغة أدق وأشمل، ليستفاد منه على نطاق أخطر فإذا ما عادوا يوضعون في مراكز التوجيه ليكون أثرهم في الإفساد أشمل وأوسع، حتى إذا صار أحدهم في نهاية المطاف وزيراً للمعارف حطم من مقدسات قومه ما لم يكن يجرؤ"دنلوب"على فعله ) وهذا ما يحدث بالفعل, ونفس الأمر يكرره حسين كامل بهاء الدين وبصورة تكاد تتطابق.. إنه يتفاخر بإرسال آلاف المعلمين للتدريب في بريطانيا وأمريكا, ولا يستطيع أن ينكر أن ذلك محظور على كل من ينتمي لجماعة إسلامية أو معروف عنه التمسك بالفضائل!!
إنه جهد قديم لكنه متواصل ومستمر, وفي الثلث الأخير من القرن التاسع عشر قال القس"زويمر": ( لقد قبضنا أيها الإخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية المستقلة أو التي تخضع لنفوذ مسيحي.. لقد أعددنا بوسائلنا جميع العقول إلى قبول السير في الطريق الذي مهدنا له كل التمهيد - أعددنا نشئاً لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجنا المسلم من الإسلام ولم ندخله المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي لا يهتم بعظائم الأمور وحب الراحة والكسل, وإذا تعلم تعلم الشهوات, وإذا جمع فللشهوات, وإذا تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شئ ) .
هذا ما فعله الغرب فينا، وهذا هديه الذي نسير عليه.. يقول ابن حزم في كتابه مداواة النفوس: ( مُقرب أعدائه قاتل نفسه ) ، ويقول الدكتور محمد محمد حسين في كتاب"الإسلام والحضارة الغربية": ( لقد رأينا المراحل التي مر بها طبع التعليم بالطابع الغربي في العالم الإسلامي ومدى تأثيره على تفكير الزعماء المدنيين وقليل من الزعماء الدينيين ) ، ويقول الدكتور مصطفي محمود: للأسف حطموا القديم ولم يبنوا بديلاً... هل بنى أحد التعليم المصري بعد هدمه؟!! أبداً.. لقد أصبح التعليم في أي مدرسة مصرية أغلى من"هارفارد"بسبب الدروس الخصوصية التي جعلت التعليم هنا أغلى من جامعة"أوكسفورد").
أخذنا التعليم كثيراً في هذا المقال, لكنه كان أوضح مثال على ما آلت إليه أحوال البلاد, حيث انعكس أثره على سلبية المواطن، وعدم محاولته التغيير، حيث فسدت التربية، وانتشرت علل مدمرة لم تكن موجودة في الأساس مثل انتشار التدخين بين الطلبة والطالبات، وتناول المخدرات، والزواج العرفي.