فهرس الكتاب

الصفحة 14417 من 27364

ومن الأسس المهمة التي شجعت البحث العلمي أكثر من مجرد استمرار الدعم المادي، الظروف التي عمل فيها الباحثون حيث إن الأفكار غير المألوفة والجديدة لم تكن في حاجة إلى موافقات موسعة من الهيكل الإداري، أو الإداريين الحكوميين واللجان المتخصصة.ومثل هذه البيئة الجذابة جداً للأشخاص المبدعين، وبالإضافة إلى الظروف الأخرى التي وفرتها المؤسسة فقد ساعد ذلك كله على تعدد المستفيدين من بحوث المؤسسة.

ويتكون مجلس أمناء مؤسسة راند r AND شخصيات علمية وسياسية ورجال أعمال ورجال إعلام وأساتذة جامعات أذكر منهم على سبيل المثال: مستشار الدراسات الاستراتيجية والدولية، ورئيس مؤسسة التايم ورنر، ورئيس مجلس إدارة شركة سيتي كورب، ورئيس جامعة ستانفورد بكاليفورنيا (وهي من جامعات القمة في أمريكا) ورئيس معهد الطب بالأكاديمية القومية للعلوم، وأستاذ الإدارة بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجيلوس) .

وفي الكتاب الصادر عن المؤسسة عام 1993 نجد نماذج من البحوث التي أجرتها المؤسسة أذكر بعضها لنرى مدى اتساع موضوعات البحوث وشمولها مختلف المجالات:"صورة حياة المدينة الأمريكية:حيث تناول البحث تغير الحياة في المدينة الأمريكية منذ عام 1965، وما الذي لم يتغير، وهل تساعد سياسة الحكومة على تحسين الأحوال أو تؤدي إلى إفسادها،وما الذي يمكن تعلمه من البرامج الحكومية السابقة،وما الذي يمكن عمله مستقبلاً."

وثمة بحث آخر بعنوان (إعادة تخطيط الدراسات العليا) وقد دعا إلى القيام بهذا البحث ازدياد الاهتمام بحالة الدراسات العليا في الجامعات الأمريكية حيث لوحظ أن المشكلات المادية في الجامعات أدى إلى تخفيض نسب القبول في الجامعات ،وتقليص عدد المواد المقدمة،وزيادة حجم الفصول وتأخير صيانة المباني ،وتخفيض التزويد في المكتبات ،كما إن من هموم الدراسات العليا أن نوعية الطلاب قد انخفضت ، وكذلك لم تعد الداسات العليا تستجيب لمشكلات الأقليات وأن تخريج العلماء والمهندسين لا يفي بالحاجة القومية.

وثمة جانب آخر جديد لنشاطات المؤسسة وهو التعليم حيث تتعاون مع الجامعات في تقديم منح للدراسات العليا ،ووضع برامج للحصول على الدرجات العلمية في مجالات البحث المختلفة.

إن الحديث عن مثل هذه المؤسسة لا يكفي العديد من المقالات، ولكننا نتساءل كم عدد مؤسسات البحث العلمي المستقلة في عالمنا العربي الإسلامي ؟ لا شك أننا في بداية الطريق، فمراكز البحوث موجودة لدينا ،ولكن بعضها يدار بأسلوب يغلب عليه الروتين الإداري ،والإجراءات الإدارية الطويلة.

إننا بحاجة إلى من يدرس هذه المؤسسات دراسة علمية ميدانية يطلع عليها، ويعرف كيف تعمل، فإن لدينا الكثير من المشكلات في العالم الإسلامي ولا يمكن أن تستمر هكذا دون إجراء البحوث المستقلة وإتاحة الفرصة للمفكرين والمبدعين من أبناء الأمة للعمل الجاد بدلاً من تركهم ليهاجروا إلى الغرب فنفقدهم مرتين ؛مرة بعدم الإفادة من عقولهم وعلمهم وإمكاناتهم والثانية بأن تصبح هذه العقول في خدمة دول أخرى لا تخفى مواجهتها لنا.

ثانياً: مؤسسة المجتمع المفتوح

تناول أحد أعداد مجلة (السياسة الخارجية) (189) موضوع (مؤسسة المجمتمع المفتوح) .فأعجبني الحماسة والإخلاص اللذين يصبغان نشاط هذه المؤسسة التي تأسست قبل أكثر من خمس عشرة سنة لمقاومة انغلاق مجتمعات أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي (سابقا) .

وفي هذه المقالة يتحدث جورج سوروس Geo r ge So r os - رئيس هذه المؤسسة- قائلاً إن هذه المؤسسة هي إحدى المؤسسات الخاصة (غير الحكومية) التي عملت على مساعدة روسيا ودول أوروبا الشرقية على التغلب على العيش في مجتمعات منغلقة. وقد تأسست عام 1979 ولم يبدأ عملها حتى عام 1984 ، وكانت البداية في المجر ، وازداد عمل هذه المؤسسة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي حيث ارتفع عدد الدول التي تعمل فيها هذه المؤسسة عشرين دولة.

ومن أبرز ملامح هذه المؤسسة أن ميزانيتها عند التأسيس (1979) كانت ثلاثة ملايين دولار فقط، وارتفعت الميزانية إلى ثلاثمئة مليون دولار في عام 1993.وكان من إنجازاتها أنها كلّفت عدداً من المؤلفين لكتابة ألف كتاب منهجي لتحل محل الكتب التي كانت تبث االفكر الماركسي اللينني.

وكيف تبرر هذه المؤسسة عملها ؟ يذكر سوروس أن الشيوعية منذ ظهورها أدت إلى ظهور مجتمعات منغلقة تخضع لسلطة الحزب ، وكان الأفراد يعيشون تحت رحمة جهاز الدولة . ونظراً لأن العقيدة الشيوعية عقيدة زائفة تزعم لنفسها أنها تملك الحقيقة النهائية والكاملة ولذا لم يكن من الممكن أن تنتشر عقيدتها إلاّ عن طريق العنف . وحتى مع هذا العنف لم يكن من الممكن للشيوعية أن تحافظ على وجودها كثيراً. وقد أصبحت الفجوة بين العقيدة والواقع أكثر وضوحاً.

ويقول سورس:"إن انهيار المجتمع المغلق لا يعني تحولاً آلياً إلى المجتمع المفتوح، لأن المجتمع المفتوح مجتمع أكثر تقدماً وأكثر حنكة وثقافة في تنظيمه من المجتمع المغلق.إن الحرية ليست مجرد غياب الاضطهاد.إن المجتمع الذي ينعم أفراده بالحرية يتطلب مؤسسات تحمي الحرية ، وفوق ذلك يحتاج إلى أناس يؤمنون بهذه المؤسسات."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت