فهرس الكتاب
وتناول سورس ردود الأفعال المختلفة لانهيار الشيوعية في روسيا ودول أوروبا الشرقية، وعدم قناعة تلك الشعوب بالانتقال إلى النمط الغربي الذي يدعو إلى الديموقراطية وحقوق الإنسان وحكم القانون أو المجتمع المفتوح حيث عادت بعض هذه الشعوب إلى نموذج معدل من الشيوعية.ثم عاد إلى الحديث عن المجتمعات المفتوحة فقال:"إن هذه المجتمعات المفتوحة تتيح الفرصة للشعوب لاستخدام طاقاتها الإبداعية. وإن الحرية تقود إلى الازدهار. ولكن الشعوب التي تعيش في مجتمعات مفتوحة لا تدرك ذلك ،بل إنهم لا يتعاملون مع مفهوم المجتمعات المفتوحة كمسألة تستحق التضحية من أجلها."
ويقترح سورس أن تجعل الولايات المتحدة في قمة سياستها الخارجية إيجاد المجتمعات المفتوحة والمحافظة عليها.ويرى أن يكون الاتحاد السوفيتي السابق على قمة الأهداف الأمريكية ولذلك لأن الاتحاد السوفيتي (سابقا) عانى من الانهيار، ولم تعان المجتمعات الأخرى من الانهيار وبالتالي فلا بد من مجتمع بديل. ويرى الكاتب (سورس) ضرورة العودة إلى المفاهيم القديمة التي تجعل الشيوعية مقابل العالم الحر.ويقترح أن تقوم الأمم المتحدة بدور رائد بعد أن تتغلب الدول الأوروبية وأمريكيا على خلافاتهم ، فليس باستطاعة الولايات المتحدة أن تكون شرطي العالم و لا هي قادرة على ذلك.
وهكذا ينفق الغرب مادياً وفكرياً لنشر معتقداته وأسلوب حياته، ونحن في العالم العربي الإسلامي ابتلينا بالقومية والاشتراكية والشيوعية والعلمانية أو اللادينية حتى أصبحت جزءاً أساساً في فكر أجيال متلاحقة في العالم العربي الإسلامي مازال بعضهم يتسنم منابر التوجيه .فهل لو قامت لدينا مؤسسات تدعو إلى تحرير العقول و الأفهام وإعادتها إلى عقيدة الأمة الصافية النقية يمكن أن تجد التأييد والدعم؟ لا شك أن الإسلام يقدم الحرية لأفراده ولمن يعيشون تحت ظله الفرصة للإبداع والابتكار، وقد قاد العالم إلى الازدهار الحقيقي بعيداً عن الظلم والعصبيات القومية والعرقية والدينية.
إن هذه تجربة غربية هل يمكن لنا دراستها دراسة وثائقية ميدانية ونفيد من وسائلها عملاً بالأثر المشهور الذي بدأت به المقالة ( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها؟
ثالثاً: المعرفة بالآخر -برنامج الزائر الدولي أنموذجاً
كتب أحمد عائل فقيهي (190) حول معرفة الغرب بنا وجهلنا به، وكان مما كتبه عن معرفة الغرب:"إنه يعرف عنّا أكثر مما نعرف عنه، ونجهله أكثر مما يجهل دقائقنا، وبين معرفته بنا وجهلنا به ثمة بون شاسع.. ثمة مسافة تتوالى إلى ما لانهاية."
وهذا أمر أوافقه عليه وأجد أن التجربة الأمريكية عموماً وتجربة برنامج الزائر الدولي تستحق أن يشار إليها، ولكن لا بد أن ندرك أن المعرفة بالآخر تتطلب جهداً ومالاً وهمة عالية، فأمريكا قد أنشأت المئات من مراكز البحوث والمعاهد العلمية وأقسام الجامعات التي تدرس العالم أجمع ليس دراسة نظرية فحسب بل تضيف إليها الدراسة الميدانية. ولكني هنا سأقتصر على الحديث عن برنامج الزائر الدولي التابع لوكالة إعلام الولايات المتحدة الأمريكية
هذا البرنامج يتبع مكتب الشؤون التعليمية والثقافية. ويؤكد البرنامج على زيادة التفاهم المتبادل من خلال الاتصالات الشخصية والمهنية. ويركز البرنامج في اختياره على الشخصيات التي يدعوها لزيارة الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون من ضمن النخبة التي يتوقع لها مستقبلاً في مجال عملها في بلادها سواءً كان ذلك في الأعمال الحكومية، أو السياسية، أو الإعلام، أو التعليم،أو العلوم وغيرها من الميادين الحساسة.
ويتم اختيار هؤلاء الأشخاص من قبل سفارات الولايات المتحدة ليقوموا بزيارة أمريكا للالتقاء بنظرائهم في المجالات التي يعملون بها. وقد بلغ عدد الذين شاركوا في هذا البرنامج على مدى نصف قرن أكثر من مئة ألف زائر كما يقول مدير وكالة إعلام الولايات المتحدة جوسف دفي Joseph Duffey في تقديمه للكتيب الذي صدر بمناسبة مرور خمس وخمسين سنة على بدء برنامج الزائر الدولي. وقد بلغ عدد هؤلاء الزوار عام 1993 أكثر من خمسة آلاف زائر.
وتتعاقد الوكالة مع العديد من المؤسسات لتنظيم برامج الزيارة لهؤلاء الضيوف وفي المجال الثقافي والتعليمي يتم التعاقد مع المعهد الدولي للتعليم Inte r national Institute of Education ، ويقوم المعهد بدوره بالاتصال بالعديد من المنظمات المحلية التي يطلق على بعضها مجلس الزوار الدوليين للقيام بترتيبات الزيارة .وهناك عدد كبير من المتطوعين الذين يهتمون بالزوار الدوليين لأنهم يدركون أن التعرف على هذه الشخصيات سيكون تجربة مثمرة وثرية، فتجد بعضهم يتطوع لاصطحاب الزائر إلى الأماكن الأثرية أو المعالم السياحية أو يستضيفه في بيته .
ماذا يستفيدون من هذا البرنامج الذي يكلف سنوياً عدة ملايين من الدولارات ؟ إنهم يكسبون معرفة بالآخر معرفة وثيقة فهذا الزائر الذي جاء إليهم يقدم لهم نموذجا حياً من العاملين في مجال من المجالات وبالتالي لم يكن من الممكن التعرف إلى مثل هذه الشخصيات دون الاتصال الشخصي بها.