فهرس الكتاب
الأول: أن الدعوة إلى القومية العربية تفرَّق بين المسلمين ، وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي ، وتفرّق بين العرب أنفسهم لأنهم كلهم ليسوا يرضونها ، وإنما يرضاها منهم قوم دون قوم ، وكل فكرة تقسم المسلمين وتجعلهم أحزاباً ، فكرة باطلة تخالف مقاصد الإسلام وما يرمي إليه ، وذلك لأنه يدعو إلى الاجتماع والوئام والتواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى كما يدل على ذلك قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آيته لعلكم تهتدون ) 131 وقال {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 132 وقال تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 133 .
فانظر أيها المؤمن الراغب في الحق كيف يحارب الإسلام التفرق والاختلاف ويدعو إلى الاجتماع والوئام والتمسك بحبل الحق والوفاة عليه ، تعلم بذلك أن هدف القومية غير هدف الإسلام ، وأن مقاصدها تخالف مقاصد الإسلام .
ويدل على ذلك أيضاً أن هذه الفكرة أعني الدعوة إلى القومية العربية ، وردت إلينا من أعدائنا الغربيين ، وكادوا بها المسلمين ،ويقصدون من ورائها فصل بعضهم عن بعض ، وتحطيم كيانهم ، وتفريق شملهم ،على قاعدتهم المشؤمة"فرّق تسد"وكم نالوا من الإسلام وأهله بهذه القاعدة النحيسة مما يحزن القلوب ويدمي العيون(134 .
)الوجه الثاني: أن الإسلام نهى عن دعوى الجاهلية وحذر منها وأبدى في ذلك وأعاد في نصوص كثيرة ، بل قد جاءت النصوص تنهى عن جميع أخلاق الجاهلية وأعمالهم إلا ما أقره الإسلام من ذلك ولا ريب أن الدعوة إلى القومية العربية من أمر الجاهلية لأنها دعوة إلى غير الإسلام ومناصرة لغير الحق وكم جرّت دعوى الجاهلية على أهلها من ويلات وحروب طاحنة وقودها النفوس والأموال والأعراض ، وعاقبتها تمزيق الشمل وغرس العداوة والشحناء في القلوب والتفريق بين القبائل والشعوب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:( كل ما خرج عن دعوى الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية ، بل لما اختصم مهاجري وأنصاري فقال المهاجري: يا للمهاجرين ، وقال الأنصاري: يا للأنصار قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أبدعوي الجاهلية وأنا بين أظهركم"وغضب لذلك غضباً شديداً"انتهى ."
ومما ورد في ذلك من النصوص قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَءَاتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } 135، وقال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} 136 ، وفي سنن أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ليس منا من دعا إلى عصبية ، وليس منا من قاتل على عصبية ، وليس منا من مات على عصبية"، وفي"صحيح مسلم"أيضاً عن النبيe أنه قال:"إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد"ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ، ويغضبون لعصبية ويقاتلون على عصبية ، ولا ريب أيضاً أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر لأن القومية ليست ديناً سماوياً يمنع أهله من البغي والفخر ، وإنما هي فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها على من نالها بشيء ، وإن كانت هي الظالمة وغيرها المظلوم ) 137 .
(الوجه الثالث: من الوجوه الدالة على بطلان الدعوة إلى القومية العربية: هو أنها سلّم إلى موالاة كفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم . ومعلوم ما في هذا من الفساد الكبير والمخالفة لنصوص القرآن والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين من العرب وغيرهم ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة .