فهرس الكتاب
وعلى ضوء ذلك؛ فقد تمحورت المهام العسكرية التي يمكن أن تُكلف بها قوات الغزو لتأمين مصادر النفط بالاستيلاء على عدد كافٍ من الحقول والمنشئات النفطية في حالة سليمة تماماً، مع الاستعداد لتأمينها لفترة طويلة نسبيّاً، وأن تكون مجهزة بعناصر الإصلاح المتخصصة، والمعدات اللازمة لإصلاح الموجودات والممتلكات التي تكون قد تعرضت للدمار بسرعة كبيرة.. مع قيامها باتخاذ الإجراءات اللازمة لتشغيل المنشئات النفطية التي قد تتعرض للدمار دون مساعدة من «دول أوروبية» ، مع قيامها بتنظيم المرور الآمن للإمدادات والمنتجات النفطية فيما وراء البحار.
وفي 23/1/1980م أعلن الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» في خطاب له أمام الكونجرس الأمريكي عن نظرية أمن صريحة لمنطقة الخليج، عُرفت «بمبدأ كارتر» ، والذي انطوى على شقين:
أحدهما: شق سياسي، وقال فيه: (إن أي محاولة من جانب أي قوى للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج؛ سوف تعتبر في نظر الولايات المتحدة هجوماً على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم رده بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة) .
أما الشق الثاني في نظرية الأمن الأمريكية في الخليج: فهي تكملة للإعلان السياسي، وقد تمثلت في إنشاء (قوة الانتشار السريع) ؛ من خلال تقرير قدمته وزارة الدفاع الأمريكية عام 1988م إلى لجنة القوات المسلحة في الكونجرس، والذي على أساسه اُعْتُمِدت ميزانية هذه القوة لتلك السنة. وقد تضمن القرار الأمريكي بإنشاء قوة تدخل سريع أمريكية تتمركز في الولايات المتحدة، وتكون جاهزة لكي تُحْمَل جواً وبحراً إلى منطقة الخليج عند ذي طارئ، وقد أُطلق على هذه القوة «قيادة المنطقة المركزية» ، وقد تم التخطيط الاستراتيجي لاستخدامها لتأمين منابع النفط في الخليج، كما تولى قيادتها الجنرال «شوارسكوف» الذي كُلف بقيادة قوات التحالف الأمريكي عند قيام العراق بغزو دولة الكويت، وهو الغزو الذي أعطى الدوافع والمسوِّغات اللازمة لتحرك هذه القوات، وتنفيذ مهامها المخططة في الخليج.
وهكذا استقرت القوات الأمريكية في منطقة الخليج تنفيذاً لمخططاتها التي كانت تحلم بتنفيذها منذ يناير 1975م، وجاءت إلى الخليج لمواجهة طموحات ونزوات الرئيس العراقي «صدام حسين» ، وبمباركة ومساندة معظم دول العالم، وبدأت سلسلة التداعيات العربية كلها؛ من إهدار الثروات والقدرات اقتصادية منها وعسكرية، إلى حالة من التفكك والتمزق لم تشهد لها المنطقة العربية مثيلاً في تاريخها المعاصر.
* إدارة مجموعة «المحافظون الجدد» والتغيير القادم:
لقد قلبت مجموعة «المحافظون الجدد» من الحزب الجمهوري أو التي تسمى «مجموعة الصقور» منذ عام 1992م ما أطلق عليه «دليل التخطيط الاستراتيجي» للولايات المتحدة، والذي انتهى إلى صياغة مجموعة مبادئ:
أولها: ضمانات عدم قيام قوة عظمى منافسة للولايات المتحدة الأمريكية.
ثانيها: أن تمتلك الولايات المتحدة الوسائل اللازمة لمنع أي دولة منافسة من التطلع إلى دور دولي أو إقليمي، مع اعتبار أن الصين وروسيا تمثلان الخطر المحتمل.
وثالثها: منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في دول مثل العراق، وكوريا الشمالية، وإيران؛ حتى لو أدى الأمر إلى استخدام القوة المسلحة لمواجهة ذلك الخطر.
وقد نشرت مجلة «ليمبس» الإيطالية ربع السنوية المتخصصة في الدراسات الاستراتيجية والسياسات الدولية عدة تقارير حول الحرب الأمريكية على العراق، والسيناريوهات والنتائج المحتملة التي ستعود على المنطقة العربية والقضية الفلسطينية فيما بعد نهاية هذه الحرب، وقد ألقى التقرير الضوء على المتغيرات التي حدثت في السياسة الأمريكية بعد أحداث 11/9/2001م؛ وفقاً لمذهب الأمن القومي الجديد الذي يؤكد «أن الولايات المتحدة تحتل موقعاً غير مسبوق للقوة العسكرية، وتتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي كبير.. ومن ثم فإن أمن الولايات المتحدة يكفله عالم أفضل مكوَّن من ولايات متحدة كثيرة، جميعها صغيرة وغير قوية، ولكنها مُشَكَّلة على الطراز الأمريكي أيضاً.. وهو ما يعني أنه من الممكن صنع «عالم جديد» من خلال الحرب العالمية المعلنة ضد الإرهاب، والتي ليست لها مدة محددة، وبدونها لن تنفع فكرة إقامة «إمبراطورية الخير» التي تقوم على تصدير القيم الأمريكية «الحرية، والديمقراطية، والسوق الحرة» ، وتطبيقها على القارات الخمس.