فهرس الكتاب
وعن التغيير القادم في الشرق الأوسط جاء في تقرير آخر: «إن الولايات المتحدة كانت توافق وتساير عدم النظام في منطقة الشرق الأوسط، وكان اهتمامها الأول والأخير ينصبُّ على النفط وأمن إسرائيل فقط.. على اعتبار أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لم يكن يهدد التوازنات الاستراتيجية، بل إن عدم الاستقرار كان يخدم الولايات المتحدة لتجعل الجميع تحت سطوتها؛ في منطقة من أجدب مناطق العالم التي يتعذر حكمها والسيطرة عليها، إلى أن فوجئت الولايات المتحدة بهجوم «تنظيم القاعدة» ، وظهر تهديد المصالح الأمريكية الذي جسده «أسامة بن لادن» ومن معه من الذين شاركوا في عمليات مركز التجارة والبنتاجون؛ الأمر الذي جعل الولايات تقتنع بأنها لا يمكن أن تتساهل مع الشرق الأوسط الذي يتنامى في مشاعر شعوبه معاداة الولايات المتحدة الأمريكية، فضلاً عن التهديدات التي تحدق بإسرائيل ومنابع النفط، والذي ليس للولايات المتحدة فيه ـ باستثناء إسرائيل - أي حليف مؤتمن، بل ومن المحتمل أن ينطلق منه في المستقبل هجوم بأسلحة غير تقليدية ضد الولايات المتحدة».
هذا وقد قرر الرئيس الأمريكي «جورج دبليو بوش» أن تبدأ إعادة تشكيل الشرق الأوسط بغزو جمهورية العراق وإزاحة حكم الرئيس «صدام حسين» ؛ باعتبار أن رحيله لن يمكّنه من الحصول على مزيد من أسلحة الدمار الشامل وعلى رأسها القنبلة النووية!! كما يضمن عدم تمكنه من السيطرة على منابع النفط، بل وأيضاً لكي يصبح نقطة الانطلاق للحملة التي تستهدف ما أُطلق عليه (إدخال الديمقراطية إلى الشرق الأوسط من البحر الأحمر حتى الخليج) ؛ أي عملية ضم المسلمين إلى إمبراطورية الخير التي ستبدأ من العراق.
ولم تعنّ حتى الآن رؤية استراتيجية واضحة المعالم للخريطة القادمة؛ حيث ما زال المشروع الجيواستراتيجي قيد التطوير وخاصةً أن القوة العسكرية لن تكفي لإقامتها، وعلى الأرجح فإن الإدارة الأمريكية قد عزمت أمرها على تنفيذ مشروعها على مراحل، تكون مرحلته الأولى هي الإطاحة بنظام الرئيس (صدام حسين) ، ثم نزع أسلحته وإقامة حكومة صديقة في بغداد، وهو ما تم وجاري تنفيذه في المنظور القريب، ثم يأتي بعد ذلك دور الأنظمة غير الموثوق بها والمارقة بعد ذلك واحداً تلو الآخر، ولعل ما نشهده من تهديدات ولغة تحذير حاسمة لكل من سوريا ولبنان من جهة والجمهورية الإيرانية في جهة أخرى؛ تشير إلى جدية تنفيذ المراحل التالية من المشروع الواسع للتغيير القادم في منطقة الشرق الأوسط.
ومن هنا، وطبقاً للتقديرات الأمريكية، فإن الغزو العسكري الأمريكي للعراق يتصدر أهدافه: خلخلة المنطقة وإعادة رسم خريطتها السياسية الإقليمية بما يخدم الهدف الإسرائيلي؛ بتسوية الأرض عسكريّاً وسياسيّاً ونفسيّاً للتهيئة لواقع عربي مخلخل يسهل تقبله للضغوط؛ من أجل حمل النزاع العربي الإسرائيلي وفقاً للرؤية الإسرائيلية، كما أن غزو العراق يُعد هدفاً سهلاً وهشاً سياسيّاً ينطلق منه باقي مراحل المشروع الأمريكي لهز المنطقة كلها بإقامة نظام حكم مختلف.
* اتجاهات التغيير القادم:
لعل قراءة الهدف الحقيقي «وغير المعلن» من عملية الغزو الأمريكي للعراق؛ تقودنا إلى اتجاهات التغيير القادم، والذي يعني «الأهمية المطلقة لإزاحة النظام العراقي باعتباره الخطوة الأولى على طريق إحداث تغيير شامل في الشرق الأوسط؛ مما يعني إسقاط حكومات، وتقسيم دول، وتغيير ملامح الخريطة السياسية في المنطقة لفرض نظام شرق أوسطي جديد خاضع للإدارة الأمريكية من جهة، وتؤدي فيه إسرائيل وتركيا دوراً محوريّاً من جهة أخرى» .
هذا وتسير اتجاهات التغيير في إطار هذا الهدف في عدة اتجاهات:
لعل أولها: سرعة تحويل العراق إلى (مستعمرة أمريكية) ، حيث إن السيطرة الأمريكية على إمدادات النفط وأسعاره، وإعادة نظام إدارته دوليّاً تعدُّ من أهم أبعاد استراتيجية (عراق ما بعد صدام حسين) ؛ حيث إن ذلك يوفر للولايات المتحدة الأمريكية التحكم في تطلع الصين لأن تكون المنافس الاقتصادي لها؛ بعد أن قفزت معدلات التنمية فيها إلى معدلات التنمية الاقتصادية العالمية بالقدر الذي يرشحها لأن تكون إحدى القوى المنافسة فوق قمة العالم سياسيّاً.. وأن معدل استمرار التنمية في الصين بمعدلها الحالي قد يجعل منها القوة الاقتصادية الثانية على العالم بعد عشر سنوات قادمة، ومن ثم يكون لها القدرة على أن تكون منافساً للولايات المتحدة خاصة في المجال الحيوي الإقليمي لها في آسيا، وإحدى ضمانات ذلك التفوق المتنامي هو اعتمادها على نفط الخليج الذي يعطي 80 % من احتياجاتها، ومن ثم فإن سيطرة الولايات المتحدة عليه تعدُّ الضمان الوحيد لعدم استمرار التنمية بنفس معدلاتها.