فهرس الكتاب

الصفحة 15091 من 27364

من هنا، ومن خلال تأييد الاستراتيجية الأمريكية الجديدة المعلنة، والتي تضع على قمة أولوياتها عدم السماح لأي قوة دولية بأن تكون منافسة للولايات المتحدة.. ولما كانت الصين ـ التي طُرحت أكثر من مرة بوصفها عدواً محتملاً ـ تندفع بقوة اقتصادية إلى وضع منافس للولايات المتحدة معتمدة على طاقة انطلاقها على نفط الخليج؛ فإن إعادة تشكيل خريطة النظام النفطي يمكن أن يضع في يد الولايات المتحدة قوة ضغط على الصين لم تكن في يدها من قبل.. ومن منطلق أن المنطقة العربية بما تملكه من ثروات نفطية ميدان لتحريك تيار التقييد الإقليمي في العالم، وبصفة خاصة (خريطة النظام النفطي) .

وقد طرحت الإدارة الأمريكية مخططاتها لإدارة النفط العراقي في مرحلة ما بعد (صدام حسين) ؛ حيث أعد مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي بالتعاون مع مؤسسة «جيمس بيكر» وزير الخارجية الأمريكي السابق في جامعة رايز؛ دراسة لحساب الإدارة الأمريكية حول كيفية التعامل مع النفط العراقي بعد الحرب، وتدعو هذه الدارسة التي تبنتها إدارة الرئيس بوش إلى إقامة حكومة محلية تحل محل الحكومة العراقية التي تمت إزاحتها بالقوة عن السلطة، وأن تقوم هذه الحكومة الجديدة بإلغاء جميع العقود النفطية السابق إبرامها مع كل من فرنسا والصين وروسيا، وأن تبدأ استثمارات جديدة مع الولايات المتحدة وبريطانيا.. وقد قدرت الإدارة الأمريكية أن عراق ما بعد «صدام حسين» يلزم إعادة بنيته التحتية اقتصاديّاً واجتماعيّاً؛ وتسديد ديون بنحو «مائة مليار دولار» إلى جانب صرف تعويضات حرب كل من إيران والكويت؛ مما يعني بالضرورة زيادة كميات إنتاجه النفطي من 2.5 مليون برميل يوميّاً إلى ستة ملايين برميل يوميّاً، ومن ثم فإن الزيادة المتوقعة والناتجة عن الإدارة الأمريكية للنفط تعني تجاوز السقف الحالي الذي حددته «منظمة الأوبك» ، كما تعني إغراق السوق العالمية للنفط؛ مما قد يهبط بسعره إلى مستويات لا سابق لها، وما ينتج عن ذلك من انفراط عقد (منظمة الأوبك) ، وتراجع عائدات الدول المنتجة للنفط؛ إلى حد تعرضها للعجز المالي الشديد. كما ينتظر أن تتحول العراق إلى محطة وقود أمريكية، حيث تستهلك الولايات المتحدة 20 مليون برميل يوميّاً من النفط؛ لا تنتج فيه سوى ثمانية ملايين برميل فقط!!

ولعل قراءة مشروع القرار الأمريكي المقترح تقديمه لمجلس الأمن، والتي طالبت فيه برفع جميع العقوبات المفروضة ضد العراق بعد غزوه للكويت عام 1990م - باستثناء حظر توريد السلاح -، مع منح الأمم المتحدة دوراً رمزيّاً وإشرافيّاً في العراق استجابة لمطالب المجتمع الدولي - لعل قراءة مسودة هذا المشروع توضح سعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على عائدات النفط العراقي لمدة 20 شهراً؛ تُمدد آليّاً (ما لم يقرر مجلس الأمن غير ذلك) ، حيث تتولى الولايات المتحدة وبريطانيا بوصفهما «سلطة الحكم» توزيع حصيلة مبيعات النفط العراقي على أوجه الاتفاق المقترحة بالتشاور مع الحكومة المؤقتة في العراق، وإلى أن يتم تشكيل حكومة عراقية!!

أما ثاني اتجاهات التغيير: فهو ينطلق من اعتبار أن العالم العربي هو الميدان الذي اختارته الولايات المتحدة لتحقيقها نصراً سريعاً فيه من خلال غزو سهل للعراق الذي أنهكته العقوبات الاقتصادية والعسكرية على مدى اثني عشر عاماً، ولوجود (صدام حسين) على رأس النظام به، وهو لا يحظى بقبول عالمي واسع النطاق خاصة على مستوى الرأي العام الأمريكي، إضافة إلى معاونة العديد من دول المنطقة العربية في العمليات العسكرية؛ الأمر الذي أدى إلى سرعة انهيار، ليس فقط النظام العراقي، ولكن جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والأمنية به؛ مما أدى إلى فوضى وتفش شامل لعمليات النهب والسرقة نتيجة الفراغ الذي حدث بصورة مفاجئة للسلطة!!

وتستهدف الولايات المتحدة من خلال غزوها الناجح للعراق؛ أن يقوم العراق الجديد بدورين أساسيين في وقت واحد:

أولهما: دور القوة المهيمنة التابعة للولايات المتحدة في الخليج لعزل القوة الإيرانية عن تفاعلات الشرق الأوسط..

وثانيهما: دور القوة الموحدة لإقليم «الهلال الخصيب» المُشَكَّلَة في العراق وسوريا ولبنان والأردن، وذلك لتأسيس مثلث تحالف استراتيجي يحكم الشرق الأوسط، يقوده العراق الجديد (قيادة الهلال الخصيب) وإسرائيل وتركيا.. وذلك بعد تصفية الوضع السوري واللبناني، وبذلك يمكن حسم مسألة الوحدة العربية، وعزل مصر عن الخليج والشرق العربي.

هذا، ويتجه التغيير الثالث إلى إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي من خلال التوافق التام بين حكومة «إرييل شارون» وإدارة الرئيس «جورج دبليو بوش» في مجال الحرب على الإرهاب من ناحية، والحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط من ناحية أخرى، وذلك من خلال قيام الولايات المتحدة ـ باعتبارها أحد أهم أعضاء اللجنة الأربعة، والتي تضم إلى جانبها روسيا والاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية، بعد التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية ـ بوضع الأمة العربية أمام أحد خيارين:

إما خيار السلام.. وله ثلاثة متطلبات رئيسة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت