فهرس الكتاب

الصفحة 15093 من 27364

ليست هذه هي المعلومات الوحيدة التي أضافتها لنا حملات الفرنجة المعاصرة على عالمنا الإسلامي؛ فقد اكتشفنا في غمرة الأحداث أن أمريكا التي كنا نظنها أكبر دولة أقيمت على البراجماتية (النفعية) وأكبر قوة إمبريالية في التاريخ المعاصر، تلك الدولة التي علمتنا دوماً أن العلاقات بين الدول ينبغي أن تقوم على المصالح لا المبادئ، اكتشفنا أن هذه (الأمريكا) تنطوي على طاقة هائلة من الشهامة والنبل والرقة، حتى إنها بدافع هذه المثل ودفع هذه الطاقة تضطر إلى إرسال نحو ربع مليون جندي من أبنائها إلى أرض تبعد عن وطنهم أكثر من عشرة آلاف كيلو متراً، وتعريضهم لمخاطر الحروب وويلاتها، وإنفاق ثمانين مليار دولار دفعة أولى لتكاليف الحرب.. كل ذلك بدافع (الجنتلة) والشهامة لتحرير الشعب العراقي العزيز على قلب كل أمريكي من طغيان نظام صدام الشمولي المتسلط وقهره، ولحفظ بترول العراق لصالح رخاء ورفاهية هذا الشعب الحبيب..

* يا لقَهري!!

رجل الشارع ـ بل رجل الحارة ـ يعلم أن نظام صدام لم يكن وحده النظام الشمولي القمعي في العالم ولا في المنطقة:

فعلى مرمى حجر من شواطئ أمريكا الجنوبية يقع في كوبا (نظام كاسترو) الذي لا ينافسه على كأس الشمولية والتسلط عالمياً إلا نظام (الرئيس المحبوب) ـ رغم أنف كل كوري شمالي ـ كيم جونغ إيل، ولم تحرك أمريكا ساكناً تجاه هذا النظام أو ذاك رغم الاستفزازات العلنية لأمريكا التي مارسها نظام بيونج يانج في الفترة الأخيرة.

نظام صدام حسين وصل إلى الحكم بطريقة (غير ديمقراطية) ، ولكنه ليس وحده المنعوت بهذه الصفة في المنطقة؛ فمعظم أنظمة المنطقة وصلت إلى الحكم إما بانقلابات (عسكرية أو أسرية) وإما بانتخابات لا يضاهيها في هشاشتها والتشكك في نتائجها إلا الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، ومعظم هذه الأنظمة مستمرة ومستقرة في الحكم بمعادلات الحديد والنار ونظريات العصا والجزرة... ولو ضلت بعض البوارج الحربية طريقها إلى رأس خليج البترول ورست عشوائياً في أحد موانئ ساحل الشمال الأفريقي المارة عليها لما كان هناك كبير فرق بين وجهتها وما رست عليه.

أضف إلى ذلك: أن صدام حسين لم يُعط الفرصة المناسبة حتى يحقق لشعبه الديمقراطية التي تطلبها أمريكا الآن من أنظمة المنطقة، فهو لم يمكث في السلطة إلا ما يزيد بقليل عن نقطتين زمنيتين (باعتبار أن الوحدة الزمنية التي ارتضتها أمريكا لمكوث زعماء هذه المنطقة تحتسب بالعقد وليس بالسنة) وهي مدة غير كافية لتهيئة مثل هذه الشعوب لتقبل مثل هذه (المخترعات الحديثة) .

وإذا كان نظام صدام البعثي العشائري المتسلط.... سبق له أن قمع بعض شعبه الثائر ـ أو المتمرد ـ عليه بالكيماوي (الأمريكي) ، فإن بجواره نظاماً بعثياً طائفياً متسلطاً آخر دك بعض شعبه بالطائرات المقاتلة والمدفعية الثقيلة في حماة سنة 1982م، فقتل منهم ـ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ـ من عشرين ألف إلى أربعين ألف مسلم، ناهيك عن (مذبحة تل الزعتر) ـ بالتعاون مع المليشيات الصليبية اللبنانية ـ عام 1976م التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف مسلم فلسطيني ولبناني، و (مذبحة حلب 1981م) ؛ و (مذبحة طرابلس 1983م) .. ومع ذلك فإن الرقة والشهامة الأمريكية في سبات عميق؛ لأنها لم تكن تريد سورية وقتها، ولعلها تستيقظ (وتتذكر) هذه المآسي عندما يحين وقت تأجج المشاعر الأمريكية الفياضة تجاه الشعب السوري الذي سوف يكون وقتها عزيزاً!

العراق لم يعتد على أي من طرفي التحالف، كما أنه لم يكن يمثل أي تهديد مباشر لأراضيهما؛ فمن المعلوم أن العراق بعد هزيمته في (أم المعارك) حظر عليه امتلاك أي صواريخ يتعدى مداها 150 كيلو متراً، وهذا يعني أن العراق إذا أراد أن يطلق أقوى صواريخه على أمريكا مثلاً فإن هذا الصاروخ بحاجة إلى التوقف (ترانزيت) في أكثر من ثلاثين محطة ليسقط في مياه الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلنطي (بعيداً عن الجزيرة البريطانية) ، وعند حدوث ذلك يمكن لأمريكا الصراخ بأن صدام عكَّر عليها المياه التي سوف تصل إلى سواحلها بعد مسيرة 4500 كيلو متراً.

وحتى إذا أخذنا في الاعتبار حرص أمريكا على ربيبتها المدللة (إسرائيل) فإن أقرب نقطة بين الحدود العراقية الغربية وحدود فلسطين الشرقية تعادل ضعف مدى أبعد صاروخ مسموح للعراق بامتلاكه، كما أنه من الثابت تاريخياً أن بوصلة هذا النظام كانت دائماً مصابة بانحراف حاد، جعلت طريقه إلى القدس يمر بطهران أو الكويت أو أي اتجاه آخر خلاف جهة الغرب!

أما ما قيل عن أسلحة دمار شامل، فإن هذه الأقاويل تبقى مزاعم نفتها تقارير لجنة التفتيش الدولية برئاسة (هانز بليكس) و (محمد البرادعي) مقابل إثباتها لتلفيق تقارير أمريكية مزورة تدعي سعي العراق لامتلاك أسلحة دمار شامل.. وحتى كتابة هذه السطور لم يستطع الحليفان تدبير أدلة أكثر حبكة ـ وغير مستبعد ولا مستصعب أن تلجأ إلى التدبير إذا لم تجد شيئاً ـ لإثبات هذه المزاعم وإضفاء بعض المصداقية على مزاعمها ومسوغاتها لشن الحرب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت