فهرس الكتاب

الصفحة 15094 من 27364

ومن جهة أخرى فإن أمريكا إذا كان يؤرق ضميرها ومشاعرها وجود أسلحة دمار في المنطقة فإنه معلوم للجميع أن (إسرائيل) تعد مباءة لأسلحة الدمار الشامل بجميع أنواعها الذرية والكيماوية والبيولوجية، وهي كيان عدواني من أصحاب السوابق؛ حيث اعتدى بالاحتلال أو الإغارة على خمس دول على الأقل، كما أنه ما يزال يحتل أراضي غيره باعتراف الأمم المتحدة، فضلاً عن ممارساته العدوانية اليومية الهمجية ضد شعب محتل أعزل..

فلماذا إذن لم تستثر نوازع الشهامة والنبل والرقة إلا تجاه الشعب العراقي لتخليصه وحده دون سائر الشعوب المقهورة من طغيان نظام صدام حسين الجائر؟!

* مخطط قديم:

إن أي متابع لتحركات أمريكا وأهدافها في المنطقة يدرك بوضوح أن التفكير في غزو أمريكي عسكري والتمركز في هذه المنطقة لم يكن وليد اللحظة التي نعيشها، وأنه لا علاقة له بتسلط صدام حسين ونظامه ولا حتى بوصول بوش الابن إلى سدة الرئاسة الأمريكية، صحيح أن وجودهما ساعدا على إخراج هذا السيناريو بهذه الصورة وفي هذا الظرف، ولكنهما لم يكونا السببين الحقيقيين في الرغبة الأمريكية في التمركز في المنطقة بهذا الشكل المباشر؛ فهناك مصالح أمريكية استراتيجية، واتجاه توسعي إمبريالي أنبت هذا المخطط في أركان البيت الأبيض بغض النظر عمن يجلس فيه وعن الصورة التي كان سينفذ بها هذا المخطط.

وإذا تحدثنا عن هذا المخطط من منظور الدوافع الاقتصادية ـ وخاصة النفطية ـ مع عدم تقليلنا من أهمية الدوافع الأخرى لهذا الاستهداف، فإنه يتضح أن هناك ثلاث محطات رئيسية في هذا المخطط قبل أن يصل إلى هذا المشهد الذي نعيشه:

المحطة الأولى، إبان حرب 1973م: وذلك حين اجتمع وزراء البترول العرب في دولة الكويت في 71/01/3791م بعد بداية الحرب مع (إسرائيل) ، وتم الاتفاق بينهم على تخفيض الإنتاج الكلي للبترول العربي بنسبة 5% فوراً، مع زيادة التخفيض بنسبة 5% شهريّاً حتى تنسحب (إسرائيل) إلى خطوط ما قبل 4 يونيو 1967م.

هذا إضافة إلى قرار ست دول بترولية برفع سعرها بنسبة 70%، كما قررت بعض الدول العربية حظر تصدير البترول كلية إلى الدول التي يثبت تأييدها لإسرائيل بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية.

فقد كان هذا القرار بمثابة الإنذار الأول بأن في استطاعة العرب والمسلمين (خنق) أمريكا وأوروبا وهدم اقتصادها ونمط الحياة فيها متى أرادوا ذلك.. وعلى الفور انتبهت أمريكا إلى ذلك، ويذكر اللواء الدكتور زكريا حسين أستاذ الدراسات الاستراتيجية المدير السابق لأكاديمية ناصر العسكرية العليا (*) ، أن دراسات ووثائق أعدتها مكتبة الكونجرس الأمريكي، إضافة إلى تقارير أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية عن المحاولات الأمريكية السابقة لغزو الخليج العربي، نشرها الدكتور «أنتوني كوردسمان» كاملة في كتابه «الخليج والغرب» الذي صدر في لندن مع مطلع الألفية الجديدة.. كان منها دراسة قام بها «توماس مورجان» ـ الذي عُيِّن على رأس لجنة فرعية ـ لدراسة احتمال القيام بعمل عسكري ضد دول منتجة للنفط في حالة فرضها حظراً نفطيّاً، وتقييم الخيارات المتاحة أمام السياسة الأمريكية في حال نشوب مثل هذه الأزمة، وقد قدمت الدراسة إلى لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأمريكي في 5/8/5791م.

ومن أهم ما يثير الدهشة عند استقراء هذه الوثائق لمكتبة الكونجرس، أن رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية قد ساهموا بحماس شديد في وضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ؛ فقد قام الرئيس الأمريكي «جيمي كارتر» بوضع نواة وهيكل بناء قوة الانتشار السريع الأمريكية اللازمة لوضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ، وساهم الرئيس الأمريكي «رونالد ريجان» بالجزء الأكبر من بنائها والتخطيط لاستخدامها، ثم قام الرئيس «جورج بوش» الأب بالاستخدام الاستراتيجي المخطط لها في عمليات الحشد العسكري في الخليج.

ولعل نشر التقرير السنوي لوزارة الدفاع الأمريكية عن السنة المالية 1976م ـ والذي قدمه «جيمس شليزنجر» وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت ـ يُعَدُّ من أخطر الوثائق التي توضح تفصيلاً الاستراتيجية العسكرية الأمريكية لتأمين منابع النفط الخليجية.

وفى دراسة نشرتها مجلة «فورتشون» الأمريكية في مايو 1979م بعنوان (التدخل العسكري في منابع النفط) جاء فيها: «لقد أوضح كل من براون (وزير الدفاع) وبريجنسكي (مساعد الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي) مؤخراً أن الولايات المتحدة ستتخذ خطوات بينها استخدام القوات العسكرية الأمريكية لحماية مصالحنا في (الخليج) » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت