فهرس الكتاب
وكانت الولايات المتحدة قد كشفت للمرة الأولى عن خططها لوجود طويل الأمد في العراق، وقال بول وولفويتز، مساعد وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد والرجل الثاني في البنتاجون: إنه يرى إمكانية إنشاء قواعد عسكرية في العراق الذي سيصبح بلداً خليجياً صديقاً جديداً لأمريكا، وأوضح قائلاً: «الحقيقة الأساسية هي أن إزاحة هذا النظام ستمنح الولايات المتحدة حرية أكثر للحركة في الخليج» ، وبالطبع لسنا بحاجة لمعرفة دوافع وزير الحرب رامسفيلد الذي نفى صحة الخبر فيما بعد؛ فالأمر قد أوضحوه سابقاً.
* ماذا يعني احتلال أمريكا للعراق؟
نذكر أولاً أن حديثنا الآتي عن الأبعاد والاحتمالات المتوقعة لا يعني حتمية وقوعها، كما لا يعني وقوعها كلها ـ لو وقعت ـ في الزمن القريب.. فماذا يكون إذا استقر الأمر لأمريكا وحققت ما ترنو إليه في المنطقة؟
هناك عدة أبعاد يمكن النظر إليها وأخذها في الاعتبار بهذا الخصوص، منها:
\ أن أي قوة إمبريالية توسعية يهمها السيطرة على طرق المواصلات ـ بما فيها الممرات والمضايق ـ التي تربط بين أماكن مصالحها الحيوية والوطن الأم، وهذا ما فعلته بريطانيا عندما كانت إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس وكانت مصالحها الحيوية تتركز في الهند ومصر وشرق البحر الأبيض المتوسط، فنجد أنها سيطرت على مضيق باب المندب ـ عبر احتلالها لعدن ـ، وقناة السويس في مصر باحتلال مصر، ومضيق جبل طارق عبر إقامتها قاعدة عسكرية في جبل طارق (6.5 كم2) بموجب معاهدة «أوتريشت» سنة 1713م ثم استعماره سنة 1830م، بينما لم تلتفت كثيراً لمضيق هرمز بالخليج العربي ـ مع عدم إهماله أيضاً ـ لأنه لم يكن له أهمية كبرى حينها؛ لأن البترول لم يكن له الأهمية نفسها الآن ولم يكتشف بكميات كبيرة في المنطقة حينها..
والأمر نفسه تقوم به أمريكا الآن بخصوص الممرات والمضايق وطرق المواصلات التي تهمها؛ فمع سيطرتها على مضيق هرمز (يمر به 15.5 مليون برميل يومياً، بحسب تقديرات عام 8991م) تسيطر أمريكا أيضاً على مضيق باب المندب (3.3 ملايين برميل يومياً) عبر قواعدها في جيبوتي وإريتريا، ولا يبتعد عن ذلك محاولتها التدخل في الصومال وجنوب السودان، وعلى قناة بنما التي سيطرت عليها سيطرة عسكرية مباشرة لمدة 85 عاماً (حتى 31/12/1999م) ، وبسبب أهميتها الاستراتيجية أبقت فيها حوالي 60 ألف جندي خلال الحرب العالمية الثانية وعشرات الآلاف خلال فترة الحرب الباردة، وبعد تسليمها حرصت على وجود نظام موال لها دائماً فيها، كما أنها تحاصر قناة السويس (3.1 ملايين برميل يومياً) بدعوى مراقبة الحظر الذي كان مفروضاً على نظام العراق السابق إضافة إلى قرب وجود أقرب حلفائها في المنطقة (إسرائيل) منها، أما مضيق جبل طارق (يمر منه سدس التجارة البحرية العالمية وثلث التجارة النفطية) فهو يخضع للسيطرة البريطانية والإسبانية وكلاهما حليفان لواشنطن وعضوان في حلف الأطلسي، ولأمريكا قواعد في روتا ومورون الإسبانيتين على بعد 4 كيلو مترات من الجبل، إضافة إلى أنها تستخدم القاعدة البريطانية في صخرة الجبل، ولا يتبقى من المضايق والممرات المائية العالمية سوى خليج البوسفور في تركيا ومضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا وهما لا يمثلان أهمية حيوية لأمريكا ومع ذلك هما تحت حماية دول حليفة أو صديقة لأمريكا..
وإضافة إلى محاولات أمريكا للسيطرة على الممرات وطرق المواصلات العالمية عبر قوات (حراسة) لها تضمن عدم حدوث أي تقلبات أو اضطرابات تؤثر على أدائها، فإنها تحرص على تنصيب حكومات مرتبطة بها حول تلك الطرق والممرات.
وبخطوة احتلال العراق تكون أمريكا قد رسخت وجودها في منطقة استراتيجية تطل منها على عدة مناطق مهمة في القارات الثلاث، وتلتقي فيها أو تقترب منها طرق وممرات دولية بقدر التقاء مصالح أطراف دولية أيضاً؛ فالقوى التي ستسيطر على هذه المنطقة سيكون لها ضمان أمنها الاقتصادي الاستراتيجي إضافة إلى القدرة مستقبلاً على تسيير دفة الاقتصاد العالمي طبقاً لمصالحها الخاصة، ومن هنا نستطيع فهم تحركات أمريكا في آسيا الوسطى وأفغانستان وأخيراً الخليج والعراق؛ فموقع العراق الملاصق للخليج العربي والقريب من منطقة بحر قزوين، والطرق التي سيعبر منها النفط المستخرج منها، سواء شرقاً عبر باكستان وأفغانستان أو غرباً عبر تركيا، ووجود القوات البحرية والجوية التي ستتمركز في هذه المنطقة.. سيضمن السيطرة الأمريكية على كل ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، وإذا حدث ذلك فإن هذه السيطرة الأمريكية منفردة على تلك المنطقة الحيوية سوف يهدد مصالح أطراف دولية أخرى يهمها أن يكون لها أيضاً وجود فاعل ومؤثر في هذه المنطقة التي تلتقي فيها مصالح أطراف عدة.