فهرس الكتاب
\ يضاف إلى ذلك البعد: الحديث عن أهمية ثروة العراق النفطية؛ فرغم أنه لا يمكن إنكار تزايد حاجة الولايات المتحدة نفسها للنفط، وضآلة الاحتياطي الأمريكي المؤكد ـ وهو ما سبق ذكره ـ إلا أنه من المعروف أيضاً أن اعتماد أوروبا وآسيا على نفط منطقة الخليج أكثر بكثير من الاعتماد الأمريكي عليه (يصل الاعتماد الياباني على منطقة الخليج إلى 85% من مجمل استهلاكها) ، كما أن بعض القوى الأخرى ذات النمو السريع التي قد تكون مناوئة ـ مثل الصين ـ يتزايد اعتمادها أكثر فأكثر على استيراد النفط، خاصة مع تزايد معدلات نموها الصناعي التي تتجاوز 12% سنوياً.
ومن المعروف أن ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط تشمل المنطقة العربية التي تملك 60% من احتياطي النفط العالمي، مضافاً إليها احتياطي النفط الإيراني واحتياطي نفط منطقة بحر قزوين، وهذا يعني أنه باحتلال أمريكا للعراق وسيطرتها على نفطه إضافة إلى السيطرة الأمريكية المطلقة على كل حقول النفط من كازاخستان في الشمال وحتى الخليج ـ إذا تحقق لها ما تريد ـ.. تكون قد سيطرت على اكثر من 90% من احتياطي النفط العالمي، وعندما تسيطر أمريكا على هذا الاحتياطي فمعنى ذلك أنها تحكمت بمصادر الطاقة العالمية العصب الوحيد الآن للصناعة والتنمية، أي إنها وضعت يدها على أصل استراتيجي كبير في مواجهة منافسيها وخصومها المحتملين في العالم ـ وخاصة في أوروبا وآسيا ـ.
أما عن مكانة منظمة أوبك حينئذ، فحسب جريدة (الفاينانشال تايمز) : «إنه بوصول الشركات الأمريكية واعتماداتها المالية الجبارة إلى العراق، سيتمكن البلد من مضاعفة قدراته الإنتاجية للنفط الخام لتصل إلى 7 ملايين برميل في اليوم، وهذا سوف يدق ناقوس الخطر حيال السقف الإنتاجي المتفق عليه في منظمة الأوبك ويؤذن بزوالها؛ فمن شأن مثل هذا الاحتلال بالقوة للنفط العراقي أن يغرق السوق النفطية العالمية بكميات هائلة من النفط بأسعار رخيصة مما سينسف سياسة الحصص التي تفرضها هذه المنظمة الدولية للمحافظة على استقرار الأسعار في السوق النفطية العالمية، وبالنتيجة ستستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التدفق الهائل للنفط العراقي الرخيص إلى الأسواق لانتشال الاقتصاد الأمريكي المنهار من السقوط، وهذا هدف تريد الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه بكافة السبل وبأي ثمن كان» ( د. جواد بشارة ـ الزمان اللندنية 2/10/2002م) ، وهذا يعني عمليّاً تحطيم أوبك أو على الأقل تهميش دورها وشل قدرتها إلى أبعد حد.
وعندما تستطيع الولايات المتحدة فعل ذلك تستطيع الهيمنة على سوق النفط، ومن ثم امتلاك زمام المبادرة في تحديد سعره وكيفية توزيعه، وهذا ما يمكّنها من جعل الدول الأخرى المعتمدة على البترول تحت رحمتها في أي وقت، بل يمكن أن تقود أمريكا هذه الدول إلى الإفلاس متى شاءت، وقد أشارت مجلة «فورين ريبورت» في عدد أخير لها أن «الولايات المتحدة في استراتيجيتها الجديدة تريد أن تسيطر بصورة كاملة غير منقوصة على النفط وأنظمته بطريقة تسمح لها باستخدامه سلاحاً في صراعها السياسي ـ الاقتصادي مع القوى الرأسمالية المنافسة الأخرى...» .
وذلك مما سيضع حداً للحلم الأوروبي في منافسة القوة الاقتصادية والسياسية الأمريكية؛ فالذي يسيطر على النفط يسيطر على الاقتصاد، وكل ذلك مما سيؤثر على اقتصاديات هذه الدول ويؤثر على الخريطة الاقتصادية الدولية.
\ وهناك أطراف دولية كان لها مصالحها الخاصة في عراق ما قبل الاحتلال وجدت نفسها ومصالحها في مهب الريح بعد احتلال أمريكا للعراق، وعلى رأس هذه الدول تقف روسيا وفرنسا؛ فمعظم تسليح الجيش العراقي كان من هاتين الدولتين وخاصة من روسيا، كما أن هاتين الدولتين استطاعتا الحصول في عهد صدام حسين على عقود نفطية كبيرة ومنافسة.
وإذا استعرضنا خسائر روسيا الاقتصادية ـ على سبيل المثال ـ جراء الاحتلال ثم السيطرة الأمريكية على العراق، فتكفي الإشارة إلى أن حجم التبادل التجاري بين موسكو وبغداد بلغ مليارين ونصف مليار دولار عام 2001م، معظمها صادرات روسية للعراق أتاحت تشغيل كثير من المصانع التي كانت متوقفة في روسيا، كما أن الديون العراقية لموسكو تبلغ نحو عشرة مليارات دولار، كان سدادها متوقفاً على إنهاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على بغداد، وأيضاً فإن العقود المبدئية العراقية مع الشركات الروسية في مجال إعادة الإعمار والتنقيب عن النفط والغاز تبلغ قيمتها نحو أربعين مليار دولار، وهي عقود كان يتوقف تنفيذها على إنهاء العقوبات الاقتصادية كذلك، ويشير الخبراء إلى أن شركات النفط الروسية كانت تتوقع تحقيق أرباح تبلغ قيمتها نحو عشرين مليار دولار من تنفيذ عقود استثمار حقول النفط والغاز في منطقة غرب القرنة العراقية وحدها.