فهرس الكتاب

الصفحة 15100 من 27364

وهكذا نجد أن رفع الحصار عن عراق العهد السابق كان سيؤمن فرصة رد الديون العراقية لروسيا، وأن احتفاظ أسعار النفط بمستواها السابق أو رفعها كان سيدعم الدخل القومي الروسي باعتبار روسيا من الدول المصدرة للنفط، أما الآن بعد الاحتلال الأمريكي وتغيير الأوضاع في العراق، فإن الديون الروسية على العراق مجهولة المصير، وإذا ما أعيد ضخ النفط العراقي بكثافة ـ بدعوى المساهمة في تكاليف إعادة الإعمار ـ بما يؤدي إلى خفض سعر البرميل عن حدود 22 ـ 52 دولار فان الاقتصاد الروسي سيشهد تراجعاً كبيراً، وهكذا نجد أنه إضافة إلى الضغط الأمريكي لتنازل الدول الدائنة للعراق ـ وعلى رأسها روسيا ـ عن ديونها، فإنه من شبه المؤكد ضياع جزء مهم آخر من دخل الميزانية الروسية الساعي إلى تدعيم الروبل العملة المحلية.

وكما يقول الدكتور جواد بشارة: فإنه بعد وضع فريق قيادي موال لأمريكا بدلاً من نظام صدام حسين في العراق فسوف يشكل ذلك «نعمة سماوية للشركات النفطية الأمريكية الغائبة نسبياً عن السوق النفطية العراقية التي تحتلها الشركات الروسية والأوروبية وخاصة الفرنسية منها.

والأوروبيون يدركون هذه الخطورة جيداً ويعلمون أن الانتصار العسكري الأمريكي سوف يفتح طريق بغداد أمام المجموعات الصناعية الأمريكية ومن بينها الشركات النفطية العملاقة لقطع الطريق على منافستها الأوروبية الموجودة في العراق؛ فالأولوية ستكون بالطبع للشركات الأمريكية، وقد أوضح جيمس ولسلي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) لصحيفة (الواشنطن بوست) أن الأمر في غاية السهولة وبعيد عن التعقيد: (لدى روسيا وفرنسا شركات نفطية عاملة في العراق ولديهما مصالح مهمة في هذا البلد، وعليهما أن يعرفا منذ الآن أنه إذا ما جاء إلى السلطة في العراق نظام بديل لصدام حسين فإننا سوف نعمل ما في وسعنا لجعل هذه الحكومة الجديدة تعمل بصورة وثيقة ومتينة مع شركاتنا النفطية حصراً، وإذا تعاونت الدولتان معنا في إسقاط صدام حسين فسوف ننظر في مصالحهما وديونهما ونحث الفريق الحاكم الجديد في العراق على أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار وإلاّ فسوف لن نضمن لهما شيئاً) .. [وقد كان ولم يتعاونا في ذلك] .

وقد صرح رئيس المؤتمر الوطني العراقي المعارض لنظام صدام حسين والذي تسانده وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية بما معناه أنه: بعد تغيير النظام القائم علينا تشكيل اتحاد صناعي نفطي (كونسورتيوم) تقوده أمريكا ليأخذ بيده عمليات استغلال النفط في العراق، وستكون للولايات المتحدة الأمريكية الأولوية بالطبع (حسب ما نقلته الصحيفة الأمريكية، وهذا يعني تراجع مريع لبقية الشركات النفطية العالمية الكبرى العاملة في هذه السوق النفطية الاستراتيجية الآن، وكانت صحيفة(البايس) الإسبانية قد أشارت إلى أن «هناك شركات روسية هي لوك أويل وسلافينيفت، وشركات فرنسية هي توتال وفينا ألف، وشركات هندية وصينية وإيطالية وجزائرية وفيتنامية، قد وقّعت اتفاقيات وعقود استثمار واستغلال للنفط العراقي كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ بمجرد رفع الحظر النفطي المفروض على العراق منذ عام 1990م)» ، وغني عن الذكر أن الاحتلال الأمريكي للعراق يجعل كل هذه المصالح والاتفاقيات تحت الأنقاض!

بل إنه ظهر أيضاً على السطح ـ بعد السيطرة الأمريكية على الكعكة العراقية ـ تنافس بين الشركات الأمريكية والبريطانية حول اقتسام هذه الكعكة؛ فقد ذكر موقع الجزيرة نت (12/3/2003م) نقلاً عن مصادر صحفية: أن شركتي النفط البريطانيتين بريتش بتروليوم وشل أجرتا مناقشات مع الحكومة البريطانية بشأن نصيبهما من عقود النفط العراقية بعد أن بدأت نظيراتها الأمريكية في التخطيط لتقاسم المكاسب الضخمة المتوقع أن تظفر بها في عراق ما بعد الحرب...

ونسبت صحيفة فاينانشال تايمز إلى مسؤولين حكوميين لم تسمهم قولهم إن الشركتين العملاقتين ناقشتا القضية في اجتماع موسع مع جيفري نوريس كبير المستشارين السياسيين لرئيس الوزراء توني بلير، وحثت الحكومة خلاله على ضرورة ألا يسمح للشركات الأمريكية بالاستحواذ على المشاريع النفطية العراقية المغرية، وأضافت الصحيفة أن الحكومة أبدت تعاطفاً وتفهماً للقضية.

\ أما عن الأبعاد الإقليمية: فوجود قوات أمريكية في المنطقة يعني أن الضغوط ستكون شديدة على دول المنطقة؛ بل يمكن التهديد بالاستغناء عن بعض الأنظمة باستبدالها أو تقليص دورها إلى أبعد حد؛ لعدم الحاجة إلى (وكلاء) غير كاملي الطاعة والاستجابة في وجود الموكل نفسه في المنطقة، مما قد يدفع هؤلاء الوكلاء إلى التفاني والتسابق في تقديم أقصى ما يمكن من تنازلات ـ بالنظر إلى محافظتهم على معادلة التوازن الداخلي أيضاً ـ لإثبات أنهم قادرون على لعب دور مهم ولا يمكن الاستغناء عنه في المنطقة، ولا شك أن ذلك سيكون له أثره الكبير على الحركات الإسلامية وعلى قضايا الأمة المصيرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت