فهرس الكتاب
ما جاء في الأنباء من أن الحكم الأمريكي المرتقب في العراق سيتخذ قراراً بالاعتراف بالكيان الصهيوني وإقامة تمثيل دبلوماسي بين «تل أبيب» وبغداد، وأن شركات الكيان الصهيوني ستشارك في عمليات إعادة الإعمار، مما يعني التطبيع بكل ما يحمله من معان ومخاطر، وكانت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية كشفت أن أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني العراقي الذي تضعه قوات الاحتلال الأمريكية على رأس مرشحيها لحكم العراق، زار الكيان الصهيوني سراً مؤخراً، والتقى شخصيات صهيونية رسمية وغير رسمية، وبحث معهم إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق والكيان الصهيوني، كما أن هناك أنباء عن إعادة تشغيل أنبوب النفط بين الموصل وحيفا ـ عبر الأردن ـ الذي كان متوقفاً منذ إقامة الكيان الصهيوني عام 1948م، وقد أعلن وزير البنى التحتية «يوسف باريتسكي» أن تشغيل هذا الأنبوب قد يخفض أسعار الوقود في (إسرائيل) بنحو 25%، إضافة إلى توفيره فرص عمل لآلاف العاطلين عن العمل، إلى جانب مد خزانة الدولة بمداخيل إضافية، مؤكداً حصوله على معطيات تفيد بأن الحرب الأمريكية البريطانية في العراق ستؤثر بشكل حاسم على مجال الطاقة في (إسرائيل) .
ومما له دلالة في هذا الخصوص: ما أعلنته القناة العاشرة في التلفزيون الإسرائيلي أن ما يتراوح بين 1500 و2000 جندي يدينون باليهودية كانوا بين العسكريين الأمريكيين الذين قصفوا المدن العراقية، وأن بعضهم احتفل بعيد الفصح اليهودي (يوم 15 إبريل) في القصر الجمهوري في بغداد.. وما أعلن من أن عدداً من الحاخامات اليهود في (إسرائيل) قد نشروا مؤخراً فتوى دينية تنص على أن العراق هو جزء من أرض إسرائيل الكبرى، وطلبت هذه الفتوى من الجنود اليهود في القوات الأمريكية والبريطانية التي تقاتل في العراق أن يؤدوا الصلاة الخاصة عندما يقيمون كل خيمة أو بناء في أرض غربي نهر الفرات.
وعموماً فإن المنطقة بكاملها ستكون مقبلة على تحولات كبرى ستكون منعطفاً تاريخيّاً في مسيرة الأمة.. ولكن هل بالفعل ستسير الأمور كما هو مخطط ومرغوب؟ وهل سيستقر الوضع للأمريكان في المنطقة ليحققوا أهدافهم؟ أم أن الرياح قد تأتي بما لا يشتهيه القراصنة؟
إن الناظر إلى المعطيات السابقة وإلى اتجاهات المستقبل يرى أن الوضع شديد التعقيد والتشابك؛ حيث تتداخل الأوضاع الداخلية العراقية مع الأوضاع الإقليمية مع الأوضاع الدولية.
فالمقاومة الشرسة التي أبداها العراقيون في أم قصر والبصرة والناصرية ومناطق أخرى لا يستبعد تكرارها بشكل أو بآخر بعد الإفاقة من صدمة سقوط بغداد بهذه الصورة غير المتوقعة، ولا يعرف أحد كيف سيكون رد الشعب العراقي على الاحتلال الأجنبي وفرض حكومة عميلة، كما لا يستطيع أحد تقدير حجم التفاعل العربي والإسلامي مع الداخل العراقي ولا كيفيته، فهناك تيارات جهادية وقومية ووطنية محضة ـ بل هناك قطاعات لا تنتمي إلى شريحة فكرية أو عقائدية ـ من المتوقع أن تسعى إلى مقاومة المحتلين الغزاة بما يجعل العراق بعيداً عن الاستقرار، وإذا انخرطت شريحة واسعة من الشعب العراقي في حركة المقاومة، فإن هذا يمكن أن يؤثر على نشاطات (إعادة بناء العراق) ويشكل مصدر تهديد لمصالح أمريكا وتعويق لمخططاتها.
كما أن القوى والرموز التي تعول عليها أمريكا في تحقيق استقرار في العراق إما أنها ليس لها قبول شعبي في الداخل كالمؤتمر الوطني العراقي وأحمد الجلبي (صاحب سوابق ومحكوم عليه قضائياً بالسجن 22 عاماً والغرامة في قضايا اختلاس وإساءة الأمانة والاحتيال) ، أو بينها تنافس وتناحر ـ لم يخمد إلا بالضغط الأمريكي ـ كالحزبين الكرديين في الشمال، أو بينها وبين فصائل المعارضة الأخرى، وإما أن لها منافساً أقوى منها كالرموز الشيعية العلمانية أو المعلمنة في الجنوب.
وإيران تعرف المخاطر التي تحيق بها، إضافة إلى أنها قد ترى في تطور الأحداث فرصة لإنجاز خطوة نحو تحقيق حلمها باتصال الهلال الشيعي الكبير الممتد من إيران عبر العراق والخليج حتى لبنان، وليس بمستبعد أن تسعى لزعزعة الأوضاع في العراق وتحقيق مكاسب لها على أرضه، وهي لا تعوزها القدرة على القيام بذلك، فهي تملك نفوذاً قوياً داخل فصائل المعارضة والقاعدة الشيعية في الجنوب، وتملك اتصالاً جغرافياً ومذهبياً بينها وبين جنوب العراق.