فهرس الكتاب
1 -مهما حاولت أن تتهرب من إدراك تأثير البعد الاستراتيجي والسعي إلى الهيمنة في ظل أحادية القوة في الحرب؛ فلن تفلح، فالتأثير أساسي وجوهري، ولكنه عامل مشترك في هذا الموضوع وفي موضوعات أخرى، ولعله يكفي ما ذكرنا في المقدمة عن هذا الشأن؛ رعايةً للمساحة المخصصة للموضوع، وأستثني من ذلك مقالة طريفة كتبها «نورمان ميللر» في جريدة الفاينانشال تايمز اللندنية المرموقة، وترجمتها جريدة البيان الإماراتية في عددها الصادر في 6/5/2003م، وتتلخص في أن القلاع الأمريكية الثلاث الكبيرة، وهي (قطاع الشركات، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والكنيسة) ؛ قد منيت بفضائح منفصلة كبيرة شوهت سمعتها، ولأن الإدارة الأمريكية لن تستطيع حل أي من هذه المشكلات؛ فكان لا بد من مغامرة كبيرة تعيد شيئاً من كبرياء «الذكر الأمريكي الأبيض (ضد الأنثى) » التي سقطت، ولذا كان المخْرَج هو الحرب، وحيث إن «الذكور البيض» يسيطرون على القوات المسلحة؛ فانتصارهم سيعيد هذا الكبرياء إلى «الذكر الأبيض» ويحقق هيمنة جديدة، ومن ثم فالسؤال عن «سبب الحرب» جوابه: لأننا بحاجة إلى ذلك؛ حيث إن الأسباب المعلنة كلها تسقط عند أي محاولة جادة لفحصها.
2 -مع الأخذ في الحسبان السبب السابق وعدِّه سبباً عاماً؛ فالسبب الخاص والمباشر هو (النفط) .
والحديث عن النفط ذو شجون، ولكن يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:
هناك تحليلان رئيسان للتأثير النفطي:
أ ـ الأول: مارست الأوبك دوراً فاعلاً في السوق النفطية في السنوات المتأخرة، فعند انهيار أسعار النفط في آخر التسعينيات واجهت الدول المنتجة للنفط مصاعب اقتصادية بالغة الصعوبة، وانعكس ذلك على برامجها التنموية، وما يصاحب ذلك من تداعيات اجتماعية وأمنية وربما حتى سياسية، وواجهت الدول المعتدلة، والتي كانت تتبع سياسة المحافظة على سعر معتدل، معضلة كبيرة؛ فإما أن تظل تساهم في الحفاظ على السعر المنخفض، وظروفها الاقتصادية لا تسمح لها بذلك. وإما أن تسعى إلى دعم السعر؛ مما قد يثير حفيظة الدول المستهلكة الرئيسة. ونجحت مساعي الأوبك في وضع مجال سعري معقول للدول المنتجة والمستهلكة، ونجحت أيضاً في دعم هذا المجال السعري والمحافظة عليه، سواء بخفض الإنتاج إذا انخفض السعر عن الحد الأدنى، أو بزيادة المعروض النفطي إذا زاد السعر عن الحد الأقصى. ولكن هذا النجاح لم يرق للمستهلك الرئيسي، وخاصة الأمريكي الذي راقه أن يكون السعر عند 13 ـ 14 دولاراً للبرميل، وبالتالي ساءه أن يكون السعر عند 25 ـ 26 دولاراً.
وفي ظل هذه الظروف، مروراً بالملابسات التاريخية والأحداث التي عاشها العراق خلال العقد الماضي، كان النفط العراقي يشكل بريقاً شديداً يثير شهوة المستهلك الأمريكي.
إن وقوع النفط العراقي تحت السيطرة الأمريكية قد يؤدي إلى خروج العراق من الأوبك؛ مما سيشكل شرخاً كبيراً في الأوبك ويضعف فاعليتها في التأثير في سعر النفط في السوق العالمية. وحتى لو لم تخرج العراق من الأوبك؛ فإنها ستضغط بكل الوسائل لزيادة إنتاجها حتى لو لم يرق ذلك لأعضاء الأوبك، وستزيد كمية النفط المعروض بشكل ملحوظ، وستنخفض الأسعار إلى مستويات تاريخية، ويتخلص المستهلكون الرئيسيون من إزعاج الأوبك السعري أو من جزء كبير منه.
ب ـ التحليل الثاني: أنه في فترة الحصار الطويل على العراق وعدم إقدام كثير من الدول الغربية على الاستثمار في مشاريع أساسية في العراق؛ فقد قام النظام العراقي بتقديم امتيازات وإغراءات نفطية كبيرة للشركات الفرنسية والصينية والروسية التي كانت تعمل في الاقتصاد العراقي، وقد كانت هذه الامتيازات جذابة، ولم تنل منها الشركات الأمريكية أو البريطانية شيئاً بحكم الحصار المفروض على العراق، وفي ظل جاذبية النفط العراقي ـ كما سيرد لاحقاً ـ وظل الشهوة المتفاقمة للسيطرة على مصادر الطاقة، وظل الملابسات التاريخية والاستراتيجية المذكورة أعلاه؛ تتضح أهمية موقع النفط في دائرة الحرب.
فالنفط العراقي جذاب لأن:
1 -المخزون الثابت للنفط العراقي يزيد عن 112 مليار برميل، وغير الثابت أكثر من ذلك بكثير، وقد ساهم الحصار في عدم زيادته، وعندما ينتهي الحصار وتستأنف أعمال البحث والتنقيب بجدية؛ فقد تزيد كمية الثابت بنسبة كبيرة.
2 -أن نفط العراق من أرخص نفط العالم؛ إذ تبلغ تكلفته بين (1 إلى 1) دولار للبرميل الواحد، وتبرز أهمية هذا العامل إذا عُلم أن انخفاض سعر البترول إلى قريب من عشرة دولارات؛ يُخرج كثيراً من المنتجين الأمريكيين وبعض الأوروبيين من السوق؛ لأن إنتاجهم حينئذ يكون غير مُجْد.
3 -أن كل دولار يتغير به سعر النفط ينعكس بما يعادل 4 مليارات دولار على الاقتصاد الأمريكي.
4 -أن أمريكا لم تعد في مقدمة الدول ذات المخزون النفطي المرتفع، وإنما أصبحت في ذيل القائمة.
5 -أن عدداً من الدول المصدرة والمؤثرة حالياً في سوق النفط ستتحول قريباً إلى دول مستهلكة للنفظ، ومنها بريطانيا، والنرويج، وفنزويلا، وليبيا.