فهرس الكتاب
وقد حاولت فرنسا وألمانيا وروسيا الضغط على أن تكون مهمة الإعمار من شأن الأمم المتحدة، وباءت كل تلك المحاولات بالإخفاق؛ إذ ما زالت الإدارة الأمريكية في العراق تصر بشدة على أن دور الأمم المتحدة سوف يقتصر على الجانب الإنساني فقط، ولن تسمح لأولئك الذين عارضوها في مجلس الأمن بالمشاركة الاقتصادية، بل لقد سدت الباب عليهم وعلى غيرهم، وقد بدأت الإدارة الأمريكية في العراق في تنفيذ ذلك الموقف فقامت بترسية أول عقودها على شركة «بكتل» الأمريكية بمبلغ ستمائة وخمسين مليون دولار لأول أعمال إعادة الإعمار، وتدور أحاديث كثيرة عن حصول شركة «هالبيرتون» التي رأسها ديك تشيني خلال المدة 1995 ـ 2000م على عقد ضخم لإنتاج وتوزيع النفط العراقي محلياً، وكذلك إطفاء حرائق النفط وإعادة إعمار منشآته. وتشير التكهنات إلى أن قيمة هذا العقد قد تصل إلى سبعة مليارات دولار (انظر التفاصيل في جريدة الوطن السعودية عدد 951) ، أما عقود الكهرباء والاتصالات وإعادة بناء المطارات وغيرها فما زالت في الطريق، والحريص على معرفة مصير هذه العقود فعليه متابعة الصحافة العالمية التي تتابع أخبارها أولاً بأول، والتي لا يتوقع أن تتاح لغير الشركات الأمريكية حسب التوجه الصريح المعلن بهذا الخصوص.
أما نفقات الحرب التي تكبدتها الخزانتان الأمريكية والبريطانية ـ وهي ليست بيسيرة ـ، فحتى إن تحملتها الدولتان فلا يعتقد أنها سوف تتحمل نفقات بقاء هذه القوات إلى أن تنتهي المهمة التي رسمتها لها حكومتها. وهذه النفقات يقدرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بمبلغ يتراوح بين 20 ـ 50 مليار دولار في السنة، وهذه التقديرات مبنية على تجارب سابقة للقوات الأمريكية في البوسنة والهرسك واليابان وكوريا، وعليه فيتوقع أن تكون تكاليف الإدارة الأمريكية للشأن العراقي في المدى القصير بين 100 ـ 150 مليار دولار، ترى هل يعقل أن يتم تحميل دافع الضرائب الأمريكي هذا المبلغ؟!
هـ ـ في ضوء هذه التكاليف المتنوعة لتغطية آثار الحرب؛ فمهما بلغ إنتاج النفط العراقي، ومهما بلغت عائداته وتم إنفاقها بأسلوب أمثل؛ فإن هذه التكاليف ستستهلك مدة تتراوح بين 10 ـ 15 سنة قادمة:
لذلك فإن الرخاء الاقتصادي ـ حتى الجزئي ـ ما زال بعيد المنال، ولكن مع ذلك يجب أن نشير إلى جزئية أخرى هنا، وهي أن أعمال إعادة الإعمار ورفع الحصار، وبالتالي فتح باب التبادل التجاري مع الخارج ستوجد ورشة عمل ضخمة في السوق العراقي، يتوقع أن ينعكس أثرها إيجاباً على فرص العمل للأفراد والمؤسسات في الاقتصاد العراقي، وكذلك الآثار المتوالية لذلك لزيادة الدخل وانعكاسها على الطلب المحلي والعالمي، وعليه فيتوقع أن يخرج وجه إيجابي جديد للاقتصاد العراقي، ولكن هذا الوجه لن يكون فاتناً كثيراً لشدة الإجهاد الذي يجب علاجه قبل أن تظهر تلك الفتنة، والتي لا يتوقع أن تظهر قبل مدة تقل عن عشر سنوات، هذا إن سارت الأمور على ما يرام.
و ـ نقطة أخيرة في هذا الباب، وهي أن العراق باعتباره دولة نفطية فلا يتوقع أن هناك مساعدات دولية لإعادة إعماره لا من الدول الغربية ولا من غيرها:
وإن وجدت تلك المساعدات فستكون محدودة، ولكن الإدارة الأمريكية دعت الدول الدائنة لإسقاط ديونها عن العراق، ودعت حلفاءها إلى الاستثمار في العراق، وقد عرضت اليابان المتخمة بالثروة المالية والتي تبحث عن قنوات استثمار؛ بعد أن سجلت أسعار الفائدة أرقاماً تاريخية في الانخفاض ـ تقديم استثمارات أو قروض في بعض مجالات الاقتصاد العراقي.
2 ـ دول الخليج:
إذا استثنينا الكويت فدول الخليج لم تشارك في هذه الحرب، ومن ثم فلم يترتب عليها تكاليف مباشرة للحرب باستثناء التكاليف الروتينية لجعل قواتها في حالة تأهب، أو لتغطية تكاليف قوات درع الجزيرة التي رابطت في الكويت، ولم تورد وسائل الإعلام أنها شاركت في الحرب مباشرة.
لكن اقتصاديات دول الخليج تأثرت تأثيراً كبيراً بسبب قربها من الناحية الجغرافية من مسرح الأحداث، وهذا التأثر طال مجالات كثيرة منها مجال النقل الجوي الذي تأثر بشكل واضح، وكذلك النقل البحري، والتأمين، والسياحة، وكذلك القطاع المصرفي، وجاذبية الاستثمار في وجه خاص، وقد تأثر أيضاً أداء القطاع التجاري بشكل خاص، وكان هناك هبوط حاد في المبيعات في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة، ولا يكاد يستثنى من ذلك سوق قطاع المواد الغذائية الذي نشط نسبياً تخوفاً من المستهلكين من طول زمن الحرب وتأثر الأسعار بذلك، وهذا القطاع قد يتأثر سلباً بعد أن انتهت الحرب؛ لأن كثيراً من المستهلكين قد قاموا بتخزين كميات من المواد الاستهلاكية.