فهرس الكتاب
وهذا يدعونا إلى أن نبادر بحكمة حتى يكون لنا إسهام في التغيير، وأن يكون التغيير إيجابياً فنقطع الطريق على من يسعون لتوظيف التغيير توظيفاً سيئاً، أو على توظيف أصحاب النوايا الحسنة ممن لا يرضيهم الواقع القائم فيسايرون تيار التغيير السلبي.
11 -التوازن بين رفض التغيير ومراعاة المصالح والمفاسد:
ففي مثل هذه المواقف تبدو نظرتان: نظرة تتجه إلى الإصرار على التمسك بكل صغيرة وكبيرة ورفض أي مرونة أو استجابة، ونظرة تتجه إلى التعامل الواقعي مع المشكلة والانحناء أمام العاصفة.
وكلا النظرتين لها مسوِّغاتها، والخلل ينشأ في الغالب من الإصرار والمبالغة في النظرة إلى جانب واحد فقط.
فنحن بحاجة إلى التمسك بمكتسباتنا والحفاظ عليها والوقوف في وجه التغيير، وبحاجة إلى الحكمة ومراعاة المصالح والمفاسد.
وفي صلح الحديبية رفضت قريش أن يكتب الرسو صلى الله عليه وسلم باسم الله الرحمن الرحيم، وأن يكتب (محمد رسول الله) فلم يصر صلى الله عليه وسلم على ذلك، ووافقهم على ما يريدون مراعاة للمصلحة الأهم والأكبر، وقد أخذ علي ـ رضي الله عنه ـ بهذا المعنى في حواره مع الخوارج.
(2) الأهرام، 18/12/2001م.
(4) انظر: موقع المركز على شبكة الإنترنت www.mem r i.o r g
(1) انظر: المجلة التربوية. جامعة الكويت. عدد 39 ص (82 ـ 83) .
(هنا البيت الأبيض)
فن الدعاية الرمادية
أحمد فهمي
«جوزيف جوبلز» .. وزير الإعلام في عهد هتلر، ومؤسس فن الدعاية السياسية بلونها الرمادي، ساهم بقوة في ترويج الفكر النازي، وساق في ركابه عشرات الملايين من الألمان، ورغم العداء الغربي للنازية، إلا أن جوبلز يعد مؤسس مدرسة إعلامية يحتشد ضمن صفوفها صقور الإدارة الأميركية الحالية الذين تفوقوا على معلمهم الأول؛ بحيث استغنوا عن منصب وزير الإعلام؛ لأن كلاً منهم بات في داخله «جوبلز» ذاتي، يمارس مهام الدعاية بطريقة تلقائية.
وجوبلز صاحب نظرية نصف الحقيقة؛ ومن هنا جاء الوصف الرمادي. يعني ذلك خلط بعض الحقيقة مع بعض الأكاذيب وتقديمها كوجبة إعلامية دعائية متكاملة للشعوب، وهو القائل: «اكذب الكذبة مئة مرة.. تصدقها» ، والدعاية السياسية بمفهومها الغربي لا يمكن أن تنفك عن الكذب أصلاً، فترجمة المصطلح الإنجليزي «p r opaganda» هي في الأصل مصطلح كنسي لوصف التنصير، وأول من استعمله كان البابا جريجوري الثامن في سنوات (1572 ـ 1584م) ، ومعلوم ما بين التزوير والتنصير من ارتباط وثيق.
ولم يقتصر التطوير الأميركي للدعاية السياسية على تعدد «الجبالزة» فقط، فقد أصبح الميدان غاية في التعقيد والتشعب، وتداخلت السياسة مع الإعلام بصورة كاملة؛ فمن جهة تحول وتغول الإعلام ليصبح لاعباً أساسياً في الملعب السياسي، ومن جهة أخرى أصبح الأداء السياسي الرسمي المعلن يبدو وكأنه فقرة إعلامية لها مقدم ومعد ومخرج، ولتوضيح الجانب الذي نريده من هذه العلاقة المركبة، نقول: هناك عدة صور للارتباط بين الأداء السياسي الرسمي الإعلامي، وبين الأداء الحقيقي غير المعلن، يمكن توضيحها باستخدام مفهوم العلاقة بين الشكل وظله؛ ففي بعض الأحيان يكون هناك تماثل بين الاثنين، ويترجم ذلك سياسياً بتزايد مستوى الشفافية إلى حد كبير، حيث يعبر الشكل عن ظله بنسبة مئة في المئة، وهو أمر يندر وجوده واقعياً، وأحياناً يكون الظل أصغر من الشكل، حين يراد التضخيم والخلط والإبراز لما ليس بواقع، وأحياناً يكون الظل أضخم من الشكل، حينما تتداعى أسباب الكتمان والسرية والإخفاء، لكن في جميع الحالات تبقى درجة تعبير للشكل عن ظله، أما في الحالة الأميركية، فهناك نمط مبتكر للعلاقة بين الشكل السياسي وظله؛ حيث حدث افتراق تام ومقصود بين الاثنين ـ في كثير من مفردات الأداء السياسي ـ وأصبح الشكل لا ظل له، والظل لا شكل له؛ فالثاني غير معلن، ويفترض ألا يُعرف عنه شيء، والأول يعبر عن شكل افتراضي لا وجود له في الواقع، وهذا يعني أن الإعلام بمعناه الحرفي فقدَ ماهيته، وطُوِِّع كلية للدعاية الرمادية.