فهرس الكتاب

الصفحة 15157 من 27364

ولإكمال فهم الصورة، نقول: إن هذا التطويع لم يخضع له الإعلام فقط، بل حتى العمل الاستخباراتي تم تطويعه على يد «جبالزة» الإدارة الأميركية، ليصبح تابعاً للقرار السياسي لا قائداً ومرشداً له ـ في حالات كثيرة ـ وبدلاً من التتابع المنطقي: «معلومة ـ قرار» والذي يجعل من المعلومات المخابراتية محوراً رئيساً، أصبح القرار السياسي محوراً للمعلومات. يقول راي كلوز أحد المخضرمين في السي آي إيه: «الرئيس شخص قوي جداً.. وعندما تحس بما يريد، فمن الصعب جداً ألا تخرج بحثاً عنه وتجده» . ويزيد متخصص آخر الصورة إيضاحاً فيقول عن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد: «إنه أيديولوجي، فهو لا يبدأ بالحقائق على الرغم من ذكائه الحاد، إن لديه نقطة جوهرية، ويقوم بجمع الحقائق لدعم هذه النقطة الجوهرية» . وقد اتضحت هذه الحقيقة في قضية ادعاء امتلاك أسلحة الدمار الشامل كمسوغ للحرب على العراق.

مؤشر آخر على اهتمام الإدارة الأميركية الحالية بالدعاية الرمادية، يتمثل في كثرة مراكز الإعلام المتخصصة التي يتم إنشاؤها داخل مختلف الإدارات، وبغرض التعامل مع العالم العربي والإسلامي بصفة رئيسة؛ فبالإضافة إلى النشاط الإعلامي المعروف لوزارة الخارجية، أنشأ رامسفيلد مكتب التأثير الاستراتيجي، والذي اشتهر باسم «مكتب التضليل الإعلامي» وسيأتي الكلام عنه لاحقاً، وكذلك أنشأ جورج بوش الرئيس الأميركي مكتباً آخر خاصاً به في البيت الأبيض، هو مكتب الاتصالات العالمية، ويضم 11 موظفاً بصفة مبدئية، ويرمي إلى الترويج لوجهة النظر الأميركية، ومكافحة المشاعر المعادية للولايات المتحدة، وبالخصوص في العالم الإسلامي..

* البيت الأبيض.. قمة الهرم المقلوب:

رغم أن ساكن البيت الأبيض يمثل قمة الهرم الأميركي، لكن يبدو الوضع في حقيقته على غير هذه الصورة؛ فهناك هرم آخر مقلوب، في أعلاه تصطف مراكز القوى الأميركية التي تعد المتحكم الرئيس، وتتقاسم هذه المراكز وتتبادل التأثير في سياسة الإدارة بطريقة لا تترك لجورج بوش نفسه سوى نطاق محدود ـ نسبياً ـ من الخيارات، ومن خلال هذا الحيز تبدو التوجهات الدينية اليمينية لجورج بوش وبعض مسؤوليه، وعلى رأسهم رامسفيلد، وتجدر الإشارة هنا إلى أن ضعف شخصية الرئيس الأميركي أتاح الفرصة لتكوين مراكز قوى داخل الإدارة نفسها تتنازع بدورها السيطرة على هذا النطاق المتاح.

ويمكن تصنيف أربع مراكز رئيسة للقوى، في مقدمتها: القوى الرأسمالية، وتتمثل في الشركات الكبرى، وعلى رأسها شركات السلاح، واللوبي اليهودي، ثم يلي ذلك الإعلام، وإن كان يعتبر وسيلة تأثير غير مستقلة يتحكم فيها أطراف متعددة، ثم يأتي في الأخير الشعب الأميركي، وهو يفترق عن سابقيه في كونه ليس كياناً واحداً محدد المعالم والمطالب، ولكنه كيانات متعددة، في الدين والعرق والتوجه، بل حتى الانتماء، فهو من مراكز القوى الافتراضية، لكن تفرقه، وتكتل الأطراف الأخرى يجعله في ذيل قائمة التأثير، ويفقده القدرة على المواجهة والتحدي لتأثير القوى الأخرى، ويجعله أكثر قابلية للخداع؛ لذا كان خداع الشعب الأميركي بمثابة علم وفن له أصوله وقواعده، وتميزت الإدارة الجمهورية الحالية بزعامة جورج بوش بمنهج تجديدي في صياغة العلاقة بين الإدارة الأميركية والشعب، وكانت أحداث سبتمبر، والحرب على الإرهاب، هي المنطلق الأساسي لهذا النهج، وكان الإعلام وسيلته الرئيسة.

ولكي نفهم توجهات الإعلام الأميركي، ينبغي الإشارة إلى حجم السيطرة والتأثير اليهودي في هذا المجال؛ فالشركات الإعلامية الكبرى الثلاث: والت ديزني، فياكوم، تايم وارنر، والصحف الأميركية الكبرى: نيويورك تايمز، والواشنطن بوست، ووول استريت جورنال، وكذلك الشبكات التلفزيونية الرئيسة: سي بي إس، إم بي سي، إيه بي سي، وشبكة فوكس، سي إن إن، والمجلات الكبرى، التايم، النيوزويك، وكبرى شركات إنتاج الأفلام: كولومبيا، مترو جولدن ماير، وورنر برازر، بارامونت، يونيفرسال، سينشري فوكس... كل هذه المؤسسات الأميركية الضخمة يملكها أو يديرها أو يسيطر عليها تماماً اليهود. وباختصار: تشير الأبحاث المتخصصة إلى أن 155 شخصاً يسيطرون على الإعلام الأميركي، أغلبهم بالطبع من اليهود ومؤيديهم، وإذا كنا تحدثنا عن التأثير التبادلي بين الإعلام والسياسة، فيمكن لنا أن نلخص دائرة التأثير المتبادل بين العناصر الثلاث كما يلي: (يهود سياسة ـ يهود إعلام - إعلام سياسة - سياسة إعلام) ، ومن ثم يسهل ملاحظة أن اليهود لا يكمن تأثيرهم الأخطر في ممارسة أساليب الضغط المباشر، ولكن في إيجاد مناخ سياسي عام مواكب - في الولايات المتحدة - يتم من خلاله تنفيذ مخططاتهم بصورة تلقائية، ودون تدخل مباشر في كل حين.

* القوة.. اللغة الرسمية لإعلام البيت الأبيض:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت