فهرس الكتاب
تبنت إدارة الصقور الجمهورية نمطاً جديداً من الإعلام الرسمي ـ هو انعكاس للسياسة الرسمية ـ يُفعِِّل لغة القوة ـ العسكرية في الأساس ـ كوسيلة للحوار والتخاطب في السياسة الدولية، بمعنى أن العلاقات الدولية التي تكون الولايات المتحدة طرفاً فيها تعاد صياغتها حرفياً وفق موازين القوة الفعلية، وقد نجحت الإدارة الأميركية في ذلك كثيراً، على الأقل في العلاقات مع العالم الإسلامي، ويمكن ملاحظة ذلك بتتبع التصريحات والخطب السياسية ذات العلاقة على الجانبين؛ حيث يمكن بسهولة تمييز التغير في هذا المجال بالمقارنة بين فترتي رئاسة بيل كلينتون ورئاسة بوش الحالية.
ويمكن تقسيم مهام الإعلام الرسمي إلى أربعة:
أولاً: الترويج: وهو واضح المعنى، ولا يكون مرتبطاً أو مقترناً في العادة بمهام السياسة الآنية، وبالنسبة للإدارة الأميركية؛ فهي تسعى لإعطاء انطباع للرأي العام العالمي بكونها تسعى لتحقيق الأمن والسلام العالميين، ولنشر الديمقراطية والحرية في دول العالم.. إلخ، كما يشمل ذلك إطلاق بعض الأسماء ذات الدلالة على بعض الأعمال، من قبيل: حرب النجوم، العدالة الدائمة ـ حرية العراق.
ثانياً: التشويش أو التضليل: ويكون مقترناً ببعض المهام السياسية، ويتم بإطلاق كَمٍّ من المعلومات المضللة التي تحدث حالة من اللبس حول حقيقة الأحداث، ويعتبر مكتب التاثير الاستراتيجي الذي أسسه رامسفيلد في البنتاجون مثالاً عملياً على ذلك.
ثالثاً: التسويغ: وعادة ما يحدث في أعقاب تنفيذ بعض المهام السياسية ـ أو العسكرية ـ والتي تثير الرأي العام المحلي والعالمي لما ترتب عليها من نتائج معلنة.
رابعاً: التغطية أو التعتيم: وتأتي أيضاً في أعقاب تنفيذ مهام سياسية، لكن يمنع إعلان نتائجها، وما يترتب عليها من أحداث.
ويتأثر أداء المهام الأربعة للإعلام الرسمي إلى حد كبير بالقوة السياسية والعسكرية، وبصورة عامة يتأثر بمنظومة القطبية السائدة في العلاقات الدولية، فالوضع في حالة العالم متعدد الأقطاب، يختلف عنه في حالة الثنائية القطبية، أو عالم القطب الواحد كما هو حالياً، فعلى سبيل المثال تحتل مهمة الترويج شأناً كبيراً في الوضعية المتعددة والثنائية، وكذلك فإن التسويغ يتسم بكونه مركباً، ويحظى بمستوى عال من الأهمية.
وقد اتخذت الإدارة الأميركية الحالية من أحداث سبتمبر منطلقاً لتفعيل وضعية عالم القطب الواحد بصورة كاملة، وجاءت الحربان على أفغانستان، ثم على العراق، كتطبيق عملي على هذه الوضعية. يقول الرئيس الأميركي بوش في إحدى خطبه: «سوف نعلم الأنظمة الخارجة على القانون أن حدود السلوك المتمدن سوف يتم احترامها في هذا القرن الجديد» ، ويقول تشيروفسكي مدير مكتب تحويل القوة في البنتاجون: «نحن نقبل حقيقة أنه نظراً لما قمنا به في العراق، فإننا نخلق حقيقة استراتيجية جديدة، وهذا يعني وجود فرصة مختلفة لعملية رسم مختلفة للقوة» .
وبناء على ذلك فقد ترتبت وصيغت المهام الأربعة للإعلام الرسمي على نحو جديد، فلم يعد للترويج أهميته السابقة، وإن كانت الإدارة الحالية تهتم كثيراً بالترويج قبل أن تقدم على عمل ما مباشرة، كما حدث في حربيها على أفغانستان والعراق، حيث كان التركيز قوياً على مخاطبة الشعبين الأفغاني والعراقي، وإبراز مهمة القوات الأميركية على أنها تحرير الشعبين، وقد بلغ ذلك حد إقامة محطة إذاعية متنقلة تحملها ست طائرات، تجوب الأراضي الأفغانية، وتخاطب الأفغان بلغتهم المحلية، ولكن بمجرد تحقيق الأهداف والفراغ من العملية، يتبخر الاهتمام بالترويج.
وأصبح التشويش والتضليل سياسة رسمية معلنة، تسبب رامسفيلد من فرط حماسته في كشفها، قبل أن يعلن تراجعه عنها، وإن كانت صحيفة الواشنطن بوست قد أكدت بعد ذلك أن مكتب التضليل لا يزال يمارس عمله بصورة غير معلنة، ويخضع الأميركيون لتأثيره تماماً كسائر شعوب العالم، أما التسويغ فتأثرت صياغته بلغة القوة إلى حد كبير، فلم يعد متعدد الطبقات، بل يكفي تسويغ أولي سطحي ذو طبقة واحدة، ومن لم يعجبه «فليشرب من البحر الميت» كما يقول عرفات فاقد القوة.
أما التغطية والتعتيم، فقد برزت أهميتهما في الحرب على العراق، حيث أصبحت شكوى وسائل الإعلام الرئيسة قلة المعلومات عما يحدث، فالأخبار مثلاً تتحدث عن عشرات الآلاف من الصواريخ والقذائف التي ألقتها الطائرات الأميركية، بينما الأهداف المعروفة حتى الآن لا تشكل ربع الأماكن التي ألقيت عليها الصواريخ، وليست هناك أي إحصائية دقيقة ـ أو غير دقيقة ـ عن القتلى بين العسكريين أو المدنيين العراقيين، وقد عبر رامسفيلد نفسه ـ دون قصد ـ عن ذلك، في سياق اعتراضه على ما تبثه الفضائيات العربية من لقطات، لا تعبر عن حقيقة ما يجري، فقال: «ما نراه ليس الحرب في العراق، بل شرائح من الحرب» ، فمن يخفي إذن بقية الشرائح؟
* البيت الأبيض يقصف عقول الأميركيين: