فهرس الكتاب
لم ينتج عن هجمات سبتمبر انهيار مادي لبرجي نيويورك فقط، بل تسعى إدارة الرئيس الأميركي بوش إلى قصف الأبراج التي لا تزال موجودة في العقول الأميركية، ولا أعتقد أنه في التاريخ الأميركي الحديث يوجد حدث كهجمات سبتمبر تم توظيفه بقوة وكثافة، وعلى جميع المستويات المحلية والعالمية؛ بحيث أصبحت أغلب القرارات الأميركية منذ سنتين انعكاساً له، أو تأثراً به، أو استغلالاً له، أو تضخيماً في نتائجه وتوابعه، حتى لم يعد ذلك الحدث يتحمل، ويوشك أن يتداعى سياسياً، مع عقول الأميركيين.
ورغم أن الرئيس بوش يحرص على ترداد مصطلح الحرية، حتى اختار لحربه على العراق اسم «حرية العراق» لكن ذلك لا يمنع أن أولى ضحايا هجمات سبتمبر على الصعيد الأميركي الداخلي هي الحرية نفسها، ولا شك أن هذه الحرية بمفهومها وتطبيقها الأميركي تشكل عائقاً كبيراً أمام أهداف الإدارة الأميركية داخلياً وخارجياً، ويهمنا هنا الحرية الإعلامية، والتي تبين مدى الحاجة إلى تكميمها، وقد نجحت تلك الإدارة في تحقيق بعض ذلك، باستغلال ما يمكن تسميته بإرهاب الإجماع الوطني من ناحية، وعن طريق التشويش على المعلومات والتعتيم عليها من ناحية ثانية، وإعادة صياغة قانونية للإعلام الأميركي من ناحية ثالثة، وقد أثمر ذلك نتائج باهرة؛ حيث ذكرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز اعتماداً على استطلاع للرأي أن 59% من الأميركيين يقرون بأن على السلطة السياسية والعسكرية أن تبسط رقابة أقوى على الإعلام الأميركي.
ولفهم المنهج الذي تعاملت، وتتعامل به إدارة بوش في المجال الإعلامي، على الصعيد الأميركي، سوف نقسم الكلام على محورين: الإعلام كآلة أو وسيلة، الإعلام كمضمون أو رسالة.
* أولاً: الإعلام كآلة أو وسيلة:
كما سبق فإن أكبر وأضخم المؤسسات الإعلامية الأميركية يسيطر عليها أو يملكها اليهود؛ ولذلك فاحتمالات خروجها عن الصف ضعيفة، وإن خرجت فبحساب ولحساب.. وفي ظل ثوابت لا تتبدل على الأقل بالنسبة للقضية التي نعالجها، مع أهمية الانتباه إلى أن جورج بوش نفسه ليس من ضمن هذه الثوابت..
وبالإضافة لهذه المؤسسات فإن الإدارة الأميركية تبذل جهوداً عظيمة في سبيل تأمين وسائل الإعلام، وتحويلها من منبر لليبرالية والاستقلالية إلى بوق يرى المصالح الأميركية القومية كما تراها الإدارة، ولا شك أن الأمر ليس سهلاً أبداً، نتيجة مناخ الحرية المطلقة التي كان يعيشها الأميركيون، ولكن السيطرة على المؤسسات الكبرى يحل الإشكال بدرجة كبيرة.
وهنا ملاحظة هامة لكي لا ترتطم المعلومات في الأذهان وهي أن فن تحريك العرائس الإعلامية في أمريكا يختلف تماماً عنه في عالمنا العربي فالأول فن راق يعتمد تقنية ـ التحريك عن بعد ـ ولكن في محيطنا العربي تبدو العرائس ومن يحركها على المسرح السياسي بلا حرج.
وفي محاولة لضرب وسائل الإعلام الأمريكية المستقلة والأصغر حجماً، والتخلص من الأصوات المعارضة، تسعى الإدارة الأميركية للحصول على موافقة الكونجرس على اقتراح لفك القيود عن قوانين ملكية وسائل الإعلام، وهو تعديل خطير يتوقع أن يطلق حملة من حمى من الاندماجات، مما سيقضي على وسائل الإعلام الصغيرة، ويرسخ حالة احتكار الأخبار. يقول تيد تيرنر مؤسس السي إن إن مبيناً خطورة التعديل القانوني: «لو كانت هذه القوانين مطبقة في عام 1970م لكان من المستحيل إنشاء شركة تيرنر برود كاستنج أو سي إن إن بعد ذلك بعشر سنوات» ، ومن النتائج البارزة لهذا القانون الجديد أنه سيسمح لمجموعة استشمارية واحدة أن تمتلك محطات تلفزيونية يشاهدها 45% من الأميركيين، بدلاً من 35%حالياً، وهي وضعية خطيرة، خاصة لو عرفنا أن الأفلام والتلفاز يشكلان الرأي العام الأميركي كما يقول ديفيد ماك الخبير في معهد الشرق الأوسط للدراسات في واشنطن.
وكدلالة على تأثير هذا التوجه على العقل الأميركي، فإن شبكة فوكس الإخبارية التي يملكها الملياردير اليهودي روبرت مردوخ، حظيت مؤخراً بنسبة مشاهدة عالية، حتى إنها تجاوزت منافستها السي إن إن بـ 300 ألف مشاهد أميركي في وقت الذروة، وذلك رغم أن المحطة تتبنى المفهوم الرسمي للإعلام إلى حد كبير، ويدير قسمها الإخباري أحد مستشاري الحزب الجمهوري الحاكم، روجرز أيلز الذي عمل سابقاً كمستشار إعلامي في إدارات نيكسون وريجان وبوش الأب. يقول أحد الصحفيين العرب: «تبدو مقولة أنه ينبغي السماح للرأي بأن يتطور بشكل طبيعي دون أي تدخل خارجي وهماً في الدول الديمقراطية، كما في الديكتاتورية؛ فالرأي العام ظل دائماً توجهه وتتدخل فيه آلة الحرب والعسكريون» .