فهرس الكتاب
وعقب هجمات سبتمبر بدأت الإدارة الأميركية في الاهتمام بالتأثير الكبير لشركات الإنتاج السينمائي في هوليود، واجتمع مستشار بارز في البيت الأبيض مع 40 من كبار المديرين التنفيذيين بصناعة الأفلام السينمائية لمناقشة كيفية المساهمة في حرب أميركا على الإرهاب، وتم تشكيل لجنة خاصة برئاسة جاك فالينتي رئيس جمعية «موشن بيكتشر أوف أميركا» ، وهو من أبرز شخصيات هوليود وأكثرهم نفوذاً، وأنتج بمعرفة هذه اللجنة عدة أفلام دعائية تروج للقيم الأميركية، لكن تغير الحال بعد الحرب على العراق والتي لقيت معارضة قوية في هوليود، ورفض فالينتي إنتاج أي أعمال تروج لذلك، وقال: «لا نحتاج إلى إنتاج أفلام دعائية وكل هذه السخافات» ، واقترح توزيع المزيد من الأفلام الجديدة على القوات الأميركية.
* ثانياً: الإعلام كمضمون أو رسالة:
يقول بعض الصحفيين الأميركيين ـ باول كروغمان من النيويورك تايمز ـ: إن مصطلح تلفيق يبدو رقيقاً للغاية بالنظر إلى ما فعلته إدارة بوش طوال الوقت» ويضيف: «هذه الإدارة اعتادت بشكل غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة، وبشكل منتظم وبصفاقة، التلاعب وتشويه الحقائق..» ورغم أن منطلقات التلاعب تتعلق بالحرب على الإرهاب، إلا أن الأمر اتسع ليشمل مختلف المجالات، وكما يقول كروغمان إنها استراتيجية مألوفة لدى فريق عمل بوش اتبعها في قضايا تتنوع من الضرائب إلى الطاقة، ثم يضرب مثالاً على ذلك بالقول: «أعلنت اللجنة القومية للحزب الجمهوري أن التخفيضات الأخيرة المتعلقة بالضرائب ستفيد كل من يدفع الضرائب.. وتلك ببساطة أكذوبة؛ فقد سمعتم عن قصة الملايين الثمانية من الأطفال الذين حرموا من إعفائهم من الضرائب نتيجة تعديل في اللحظة الأخيرة، هذا التعديل سيؤدي في نهاية الأمر إلى حرمان 50 مليون عائلة أميركية من أي فائدة» .
ومنذ سبتمبر 2001م، والإدارة الحالية تسعى لفرض رقابة ضمنية على ما تبثه وسائل الإعلام بحجة المصالح القومية، ولكي يتكتل المجتمع في مواجهة الإرهاب، وتتزايد حدة الرقابة مع بداية كل حرب تتورط فيها الإدارة؛ كما حدث في أفغانستان، ثم في العراق؛ حيث برزت بقوة وظيفتا التعتيم والتضليل، وبات المجتمع الأميركي الذي ترعرع على الحرية المطلقة، يعاني من قلة المعلومات، وعدم حصوله حتى على ما يحصل عليه المواطن العربي العادي، رغم الفارق الكبير في الحرية الإعلامية، ومنذ إنشاء مكتب التضليل الاستراتيجي في البنتاجون، يرصد الباحثون أن 50%من الأميركيين باتوا يعتقدون أن أسلوب التغطية الإخبارية قد انحدر، وكتب كل من بيل كافاتش وتوم روزينيستل الباحثان المتخصصان مقالاً هاماً في نيويورك تايمز أكدا فيه أن نسبة حصول المواطن الأميركي على الحقائق قد انخفضت في شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين إلى 63% بعدما كانت في سبتمبر 75%، وذلك بناء على دراسة لمعهد أبحاث أجراها على محطات التلفزة والصحف والمجلات الرئيسية.
وتتبع الإدارة الأميركية وسائل مختلفة في سبيل ممارسة الرقابة على الرسالة الإعلامية، فقد استدعت مستشارة الأمن القومي كونداليزا رايس مسؤولي وسائل الإعلام الرئيسة في أميركا، ونبهتهم إلى أهمية ما يسمى «منع التسريب.. «leakage» ، ومُنعت محطات التلفاز من بث رسائل زعيم القاعدة، وفي بعض الحالات تم عمل مونتاج لها، بحجة التأكد من عدم وجود رسائل مشفرة، وسعياً للسيطرة على التغطية الصحفية للحرب على العراق، فقد رافق القوات الأميركية نحو 500 صحفي، ووزع عليهم لائحة بالقيود والممنوعات تشمل خمسين بنداً في 12 صفحة، ومن أهمها عدم نشر أي صور إلا بعد اعتبارها مناسبة من المختصين، وذكرت بعض التقارير أن الوكالة الحكومية الأميركية للصور والخرائط، اشترت حقوقاً لاحتكار جميع صور الأقمار الصناعية في أفغانستان، وذلك منذ بدء العمليات العسكرية هناك.
وقد اعتمدت إدارة بوش منذ حرب أفغانستان مبدأ إعلامياً يمكن تسميته (التهيئة للأسوأ) حيث يتم تهيئة الأمريكيين لتقبل معدلات عالية من الخسارة البشرية والمادية وكذلك في المدد المتعلقة باستمرار الحرب والبقاء في كل من أفغانستان والعراق فيتم الحديث عنها دائماً بالحد الأقصى وقد أبدى الأمريكيون تقبلاً غير متوقع في هذا المجال وهو ما ينبغي أن يدفع قادة المقاومة في البلدين لإعادة النظر في استراتيجية المواجهة عن طريق إرهاق الوجود الأمريكي.
أيضاً يلاحظ المتابع للإعلام الأميركي أثناء الحرب على العراق أنه لا يرد ذكر الصوت الرسمي للعراق، وكأنه كيان غير موجود، بينما يتم التركيز بقوة على مؤتمرات التحالف والمعارضة العراقية، وقبل بدء الحرب شن الرئيس الأميركي حملة ترويج لأهدافها، من خلال خطبه وكلماته للأميركيين، أكثر فيها من الحديث عن الفظائع التي يرتكبها رجال صدام، وعن خطورة أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها، وبالغ فاعتبر أن القضاء على هذه الأسلحة يرتبط مباشرة بتحقيق الأمن للمجتمع الأميركي.