فهرس الكتاب

الصفحة 15161 من 27364

وتولى المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض جانباً من الحملة، حيث مارس نوعاً من الحجر على بعض التساؤلات المطروحة بالنسبة للحرب على العراق، خاصة فيما يتعلق بمدتها، وأعرب عن الاستياء البالغ لجورج بوش من هذه الأسئلة التي تثيرها وسائل الإعلام الأميركية.

ورغم أن إدارة بوش لا تزال تمتلك ناصية الأمور في هذا المجال، إلا أن هناك صيحات تذمر وتململ، خاصة مع اقتراب الحملة الانتخابية الرئاسية. يقول الصحفي الأميركي باول كروغمان: «كل مرة تأتي الإدارة بمن يدافع عنها ـ بمن فيهم حشد من وسائل الإعلام - ممن يصرون بشكل ساذج على أن اللون الأسود أبيض، وأن الأعلى أسفل» .

* «هنا البيت الأبيض» ... شعار إجباري للإعلام العربي:

ازدحم الفضاء العربي في وقت قصير نسبياً بنحو 140 قناة فضائية، وتزايدت نسب مشاهدة الجمهور لهذه الفضائيات، وتفيد إحدى الدراسات العلمية الحديثة أن نسبة 69% من الجمهور العربي يشاهدون الفضائيات لمدة أربع ساعات يومياً، وأن 31% منهم يشاهدونها لمدة ثلاث ساعات يومياً، و34.5% لمدة ساعتين، و15% لمدة ساعة واحدة يومياً، على حين بلغت نسبة نمو مقتني أطباق البث 12% سنوياً، و40% من هذه الفضائيات تتبع الحكومات العربية، والبقية تعتبر مستقلة ظاهرياً فقط، وعلاوة على ذلك فهي تعبر بصورة أو أخرى عن ثوابت النظام الذي ينتمي إليه أصحابها، وتمثل البرامج الإخبارية في هذه الفضائيات حوالي 5% فقط.

وقبل أن نتناول العلاقة بين البيت الأبيض والإعلام العربي، ينبغي أن نشير إلى بعض السمات المميزة للإعلام العربي، خاصة في مجال الفضائيات، باعتبارها الأكثر تأثيراً في الرأي العام العربي حالياً.

أولاً: تتبنى قناة الجزيرة باعتبارها طليعة القنوات الإخبارية وأكثرها تأثيراً، نهجاً إعلامياً متميزاً، على الساحة العربية، وهو نهج غربي في الأساس يقوم على الاستقلالية والحياد ـ النسبي ـ والحرية في الطرح الإعلامي، وهذا النهج الغربي له تأثير هائل في استثارة الشعوب المحرومة من سماع الحقيقة لسنوات طويلة، وقد تأثر الرأي العام العربي إلى درجة كبيرة بما يقدم وفق هذا النهج الذي أغرى بعض الجهات الأخرى ـ دولاً أو غير ذلك ـ بالتقليد، فرأينا عدداً من الدول تنشئ قنواتها الخاصة غير الرسمية، لكي تستطيع عن طريقها أن تبث وجهات نظرها ورؤاها بعيداً عن القالب التقليدي الذي ملّه الناس، ولكن المشكلة في هذا النهج الإعلامي الغربي المنشأ، أنه يثير كمّاً من المشكلات بقدر ما يحقق كثيراً من الإيجابيات؛ بحيث يدفع للتساؤل: هل هذا هو النهج الأمثل لوسائل الإعلام في واقعنا العربي؟ النظرة قصيرة الأجل تبرز الإيجابيات، والنظرة طويلة الأجل تبرز السلبيات، ولكن هل بات في ديار العرب من يهتم بالنظر طويل الأجل؟

المفارقة هنا تكمن في الاختلاف الجوهري بين الواقع الغربي الذي نقل عنه هذا النهج، وبين الواقع العربي؛ فقد تبنت وسائل الإعلام الغربية ذلك النهج بطريقة طبيعية ومنطقية متساوقة مع التطور السياسي والحضاري، وهو ما يعني أن الشعب الذي يتم مخاطبته عن طريق هذا الإعلام، مؤهل ويمتلك من أدوات التعبير والتغيير ما يجعل من استثارته بهذه الطريقة أمراً له وجاهته، وفائدته، بينما في واقعنا العربي لم نستورد إلا بعض ذلك النهج الإعلامي دون أدوات التعبير والتغيير لمن تتم استثارتهم، فماذا إذن؟ يجد الناس أنفسهم في مفترق طرق: إما أن يكبتوا مشاعرهم التي استثيرت، وإما أن... يكبتوها... وهذا الكبت ينقلنا إلى احتمالات أخرى؛ فقد يولد الانفجار، ولكن هذا أمر تحترز منه الشعوب العربية جيداً، وقد ينشأ عنه حالة من اللامبالاة، بعد أن اكتشفوا الطامتين في وقت واحد: حجم العداء والتآمر ضدهم، وضآلة إمكاناتهم أو المسموح لهم باستخدامه منها، وهناك احتمال ثالث، وهو أن تتحول وسائل الإعلام الثورية في حد ذاتها إلى وسيلة «للتنفيس» والتهدئة.

ثانياً: تعيش الأمة العربية حالة من السيولة في ثوابتها ومتغيراتها، والإعلام أثر وتأثر بذلك إلى حد كبير، وفي خضم هذه الفوضى يصبح البحث عن موقف ثابت أو رأي محدد أو مرجعية واحدة للأمة أمر صعب المنال، ومن ثم يصبح الرأي العام المستسلم لوسائل الإعلام نهباً للاختراق من الجهة المؤثرة والقوية التي تملك أن تفرض شعارها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت