فهرس الكتاب
ثالثاً: من مظاهر التقليد الأعمى الإعلامي للغرب، الهرولة غير العادية من وسائل الإعلام لتغطية الأخبار بطريقة غوغائية، لا تنطلق من ثوابت أو منطلقات نفعية عامة، بل كل همها البحث عن خبر جيد ومثير، وفي أثناء الحرب على العراق، تجمَّع في الأردن وحدها نحو 1400 صحفي يبحثون عن أي أخبار، ولما تبين لهم فقر المادة أصيبوا بإحباط شديد، وعلى شاشات التلفاز تتابع سيل لا ينقطع من الخبراء والمحللين الذين تتضارب أقوالهم، يتحدثون عن تطورات المعارك، وعن المقاومة العراقية الباسلة، ثم لما تبين عدم بسالتها، تحدثوا عن المعركة المنتظرة على أسوار بغداد، ثم لما تبين عدم وجود أسوار، انطلقوا يتحدثون عن عراق ما بعد الحرب. فوضى عقلية غير عادية عصفت بعقول الشعب العربي، وتقاذفته ذات اليمين وذات الشمال، ليفيق بعدها وهو لا يدري ماذا حدث وكيف حدث؟ ولتنقله وسائل الإعلام مرة أخرى وببساطة شديدة لمتابعة أحداث الشوط (...) من القضية الفلسطينية، وعلى الهواء مباشرة من العقبة وشرم الشيخ، ورام الله وغزة و... إلخ.
رابعاً: يربط كثير من الناس بين زيادة الوعي، والكم الذي يتلقاه يومياً من الأخبار، عبر مختلف وسائل الإعلام، وهذا فهم غير سوي؛ فالإنسان مهما بلغ عقله وقدرته على التركيز والاستيعاب لن يستطيع أن يحوز كل ما يتاح له من أخبار. يقول اللفتنانت نيل بيكهام أحد المتحدثين باسم التحالف: «خطر تكنولوجيا اليوم هي كثرة الأخبار.. إذا زودت القاد بالكثير من المعلومات والأخبار فإنهم يصابون بحيرة من كثرتها» .
خامساً: من مظاهر تقليد الإعلام الغربي، ما حدث في الكويت في محاولة لإعطاء موقف متعاطف مع الشعب العراقي، حيث تم استجلاب أحد الأطفال الضحايا ـ أحمد ـ الذي يتوفر في حالته كمٌّ مأساوي هائل، ثم يتم التركيز عليه إعلامياً: أحمد يعالج، أحمد في رعايتنا، أحمد شُفي... وهكذا ببساطة يتم إثبات التعاطف مع الشعب العراقي.
سادساً: أبدى عدد من الفضائيات العربية تخبطاً كبيراً في توصيف وتحديد موقفها من الحرب على العراق، تجاذباً بين متطلبات الموقف السياسي الرسمي، وبين ادعاء الحياد والاستقلالية، ومثلت تسمية الحرب نفسها مشكلة كبرى، فهناك: حرب العراق، الحرب على العراق، حرب في العراق، حرية العراق.. وبعض القنوات اتبعت المنحنى الشعبي؛ ففي البداية هي حرب في العراق، ولما هاج الناس أصبحت حرب على العراق، وفي أول الحرب كانوا: قتلى عراقيين.. ومع سخونة الأحداث أصبحوا شهداء عراقيين، وهكذا..
سابعاً: هناك ظاهرة خاصة بالفضائيات العربية ـ المستقلة ـ فقط، وهي أن هذه الاستقلالية تبدأ عادة من بعد الدولة التي تنتمي أو ينتمي إليها أصحاب الفضائية، ويأخذ منحنى الاستقلالية ـ المزعوم ـ في الازدياد مع الاقتراب من الدول المشاغبة ذات العلاقات المتوترة.
ثامناً: النقاط السابق ذكرها تقدم لنا نتائج هامة، وهي أن الإعلام العربي ليس مستقلاً بالصورة التي يحاول أن يظهر بها، وأنه قابل للاختراق بسهولة، وأنه من قلة الوعي الرهان على بعض هذه الفضائيات، والتلقي المفتوح منها، وفي الأخير أن إمكانية التسرب الأميركي إليها واردة، أو وردت بقوة...
* ماذا يريد الأميركيون من الإعلام العربي؟
باختصار: يريد البيت الأبيض من وسائل الإعلام العربية أن تقدم صورة إيجابية عن الولايات المتحدة، وقادتها، وشعبها، وقواتها المسلحة، وأن تنقل ترجمة عربية حرفية للوصف الذي تقدمه الإدارة الاميركية للمعارك في العراق ومن قبل في أفغانستان، وكذا الحال في سائر القضايا الهامة. يعني المطلوب أن يصبح شعار الإعلام العربي: «هنا البيت الأبيض» ، وقد حسم الرئيس الأميركي القضية بقولته المشهورة: «من ليس معنا فهو ضدنا» .
وكما سبق في تناول الإعلام الأميركي، فسوف ينقسم الحديث إلى محورين: الإعلام كآلة أو وسيلة، والإعلام كمضمون أو رسالة..
* أولاً: الإعلام كآلة أو وسيلة:
تبنت الإدارة الأميركية في هذا المجال عدة وسائل في اتجاهات مختلفة: