فهرس الكتاب
1 -كانت الجزيرة هي البداية، باعتبارها الأكثر تأثيراً، وحضوراً، ومن ثم كان لا بد من استئناسها، وهذا بدوره له عدة طرق منها الضغط السياسي، ومنها ممارسة ضغط ميداني عن طريق قصف المكاتب، وقتل بعض المراسلين، ومنها فتح قنوات اتصال، وتم إنشاء مكتب إعلامي في لندن من مهامه تنسيق العلاقات مع الجزيرة، عن طريق التركيز على بيان وعرض وجهة النظر الأميركية بصورة دائمة، خاصة في البرامج الحوارية، وتم تخصيص بعض الشخصيات المفروضة في هذا المجال، مثل كريستوفر روس المستشار في الخارجية، وينبغي التنبه إلى أن إدارة بوش لا تريد القضاء على الجزيرة كمنبر إعلامي هام؛ إذ إن استيعابه، واختراقه أفضل من غلقه، وخاصة أنه يقدم فوائد لا بأس بها في مجالات أخرى. يقول جيمس روبن المتحدث السابق باسم الخارجية الأميركية: «إن الإدارة أدركت مؤخراً أنه يجب استغلال قناة الجزيرة وليس التعارك معها حتى يمكن توصيل رسالة واشنطن» ، وكانت الجزيرة قد تعرضت لحملة تحريض كبرى في بعض وسائل الإعلام الأميركية، ودعت صحيفة نيويورك ديلي نيوز ـ سادس أكثر الصحف توزيعاً في الولايات المتحدة ـ إلى إغلاق الجزيرة بقوة السلاح، وقالت إن التعامل مع هذه القناة مهمة للقوات المسلحة.
2 -سعت الإدارة الأميركية إلى إنشاء وسائلها الإعلامية الخاصة لمخاطبة العرب والمسلمين، فقامت بتأسيس إذاعة سوا الموجهة، لمخاطبة الشعوب العربية، وبدأت البث في 23/3/2002م، واعتبر المسؤولون عنها في إفادة أمام مجلس الشيوخ أنها حققت نجاحاً، ونقل عن السفير الأميركي في الأردن قوله: إن الإذاعة حققت شهرة بين الشباب الأردني. وتبث الإذاعة الأغاني، ويتخلل برامجها نشرات إخبارية تعرض للرؤية الرسمية الأميركية، وبعد نجاح «سوا» اتخذ الكونجرس قراراً جريئاً بإنشاء فضائية موجهة باللغة العربية، تبث برامجها على مدى 24 ساعة، وتم تخصيص 245 مليون دولار بالفعل، للبدء في ذلك، وأطلق على قرار الموافقة: «برامج دبلوماسية الرأي العام» .
3 -أنشأت وزارة الخارجية الأميركية مكتباً خاصاً لشؤون الدبلوماسية العامة، ترأسته شارلوت بيرز، ومهمته تحسين الصورة الأميركية أمام العرب والمسلمين، ولكن لم تلبث شارلوت أن قدمت استقالتها لأسباب مرضية، ولكن ذكرت التقارير أن السبب الحقيقي شعورها بالإحباط؛ لأن أفكارها لم تلق التجاوب واصطدمت مع المكاتب الأخرى المثيلة في البيت الأبيض والبنتاجون، وكان من أساليب مكتب شارلوت إنتاج فيلم دعائي عن الولايات المتحدة، بغرض عرضه في الفضائيات العربية، ولكن رفضه كثير منها.
4 -تمارس الإدارة الأميركية أسلوب التهديد في بعض الأحيان تجاه القنوات المارقة، والتي يخشى منها ذلك، وقد سبق قتل القوات الأميركية لأحد مراسلي الجزيرة، وتعرض مراسلي فضائية أبو ظبي للحصار في بغداد، وعندما أذاعت محطة تلفزيون محلية عراقية رسالة منسوبة لصدام حسين، هدد الجنرال ديفيد بتراوس قائد الفرقة 101 المحمولة جواً في مؤتمر صحفي بأنه سيقصف المحطة؛ لأنها تحرض على أعمال عنف ضد القوات الأميركية.
* ثانياً: الإعلام كمضمون أو كرسالة:
بدا واضحاً أن معدل التدخل الأميركي في المضمون الإعلامي العربي يتزايد باضطراد، خاصة بعد الحرب على العراق، وبات من الطبيعي أن يعلق المتحدث باسم الخارجية أو البيت الأبيض على أشياء من ذلك، وهذا يعني أن مفهوم «من ليس معنا فهو ضدنا» قابل للتغلغل إلى أي مستوى في الداخل العربي. يقول ريتشارد باوتشر المتحدث باسم الخارجية الأميركية: «يؤسفني أن الكثير في الصحافة العربية يسيء تفسير الأمور ويؤجج الأشياء، كل ما نطلبه هو أن نحصل على فرصة عادلة لسماع رأينا، وأن ينظروا إلى الحقائق، وألا يقفزوا إلى النتائج» . المشكلة أن العرب والمسلمين لا يحظون بأي من هذه الفرص التي يتم التحدث عنها، وبينما تعتبر هوليود أن العرب والمسلمين هم فئة الأشرار المثالية في أفلامها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي، ويقول أحد المتخصصين في مجال النقد السينمائي إنه منذ عام 1980م، ومن بين مئات الأفلام التي تتحدث عن العرب، ليس من بينها إلا 12 فيلماً فقط تتحدث عنهم بصورة إيجابية. في المقابل نجد أن المسؤولين الأميركيين يشتكون من تنامي الكراهية ضد الأميركان في الدول العربية، ويصف مسؤول كبير في الخارجية الأميركية تغطية بعض وسائل الإعلام العربية للحرب ضد العراق بأنها: «مثيرة للمشاعر جداً، ومتحيزة جداً» .
وهذا يعني أن الأميركيين يريدون لنا أن نشاهد تغطية من قبيل هدم تمثال صدام، ولفه بالعلم الأميركي، أو لقطات لتوزيع عينات الأغذية الأميركية على الشعب العراقي، بينما الطائرات تقصف مستودعات غذائية عراقية تحتوي على حمولة عشرين ألف شاحنة.