فهرس الكتاب
تتجه كلا المدرستين لنقد مفهوم الحكومة المعاصرة الذي نشآ في الغرب نتيجة عوامل كثيرة ونظريات سياسية معينة ، والتى جعلت من الحكومة مؤسسة ضخمة تسيطر على كل الموارد وتقرر في كل صغير وكبير من شئون المجتمع ، حتى شبهها المفكر الانجليزي جون هوبز بمارد أسطوري هائل الجثة مذكور في الانجيل . ويرى نقاد هذا التصور أن الحكومة أصبحت بذلك عامل استبداد وطغيان تسيطر عليه فئة قليلة من السياسين . ومن أجل تذويب سلطان الحكومة هذا فان المدرسة الإنجليزية ترى أن من واجب الحكومة أن تعطى كامل الحرية والمشروعية لقيام هذه الجماعات الوسيطة بينها وبين أفراد المجتمع ، والتي في العادة تشغل معظم اهتماماتهم ونشاطهم الاجتماعى والثقافي والاقتصادي ، وينبغى للحكومة ألا تتدخل في توجيهها ، بل تترك لها تقرير كثير من الشئون التى تتصل بمصالحها الخاصة ، وتقوم بتنفيذها إن لم تكن تتعارض مع مصالح المجتمع العامة . ومن المهم أيضا أن تنأى الحكومة عن تركيز سلطتها المركزية ، وتحاول توزيع سلطانها وتقويض اختصاصاتها إلى إدارات محلية واقليمية . أما المدرسة الأمريكية فلها طريقتها المختلفة لتحقيق تذويب سلطان الحكومة المطلق ، وذلك باتاحة الفرصة لفصائل المجتمع المتنوعة لتكوين جماعات ضغط تلوى القرار السياسي لصالحها . فالسياسة ليس فيها حق إلا القوة ، والمشروعية والعدل هو قرار يتخذه الأقوى ، ولهذا فان القرار السياسى الحكومة ينحاز لجماعة الضغط الأقوى ، والقوة صورها كثيرة منها المال والعلم والقدرة الشخصية والشهرة والوقت والقدرة على كسب الرأي العام . ومن خلال هذه الوسائل تمارس الجماعات الضغط للتأثير في القرار السياسى الحكومى . ويلخض الرئيس الأمريكى روزفلت ذلك بقوله:"إن السياسة في الحقيقة ليست هى إلا علم موازنة مصالح جماعات الضغط المتعارضة" [2] .
وكالعادة فإن كلا الحلين يواجهان نقدا من عدم تحقيقهما المشاركة الكبيرة من قطاعات المحتمع في الحكم . فالديمقراطية التى هى الأساس لهذه المشاركة في نظر النقاد لا تتيح مشاركة حقيقة ، بل إن فئة قليلة جدا من الناس تشارك في الانتخابات لا تكون إلا نسبة ضئيلة من مجموع الناخبين، وكثير من الناس يصوتون لممثلين وليس لسياسات . فإذا كانت الديمقراطية نفسها التى هى أساس مشاركة المجتمع أمر نظري أكثر منه عملى ، فإن التعددية السياسية ليست إلا حلما قليلا ما يتحقق . ويقترح بعض المفكرين حلا [3] لا يختلف كثيرا عن الحل الإسلامي للتعددية السياسية ، وهذا ما يوضحه الشرح التالي .
لقد استوردت الحكومة الغربية المعاصرة إلى حوزة ديار المسلمين ، عن طريق البطش الاستعماري أحيانا ، أو عن طريق التقليد الأعمى للغرب أحيانا أخرى . وهاهنا وقفة لابد منها مع الفكر السياسي الإسلامي . إذ أن هذا الفكر قد تقمص هذا الشكل للحكومة المعاصرة والبسها ثوب الإسلام دون روية ودون تفكير في هل هذا الشكل أمر حتمي لا بد للناس أن يلتزموا به ويأخذوا بقوالبه . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هو هل ستضلع الحكومة الإسلامية في العصر الحاضر بنفس الدور الذي تؤديه المؤسسة الحكومية المعاصرة في الغرب ، أم لها وظيفة مختلفة . وللإجابة على هذا السؤال يحتاج المرء إلى النظر أولا لتعريف علماء الإسلام للحكومة وتصورهم لوظيفتها ، والبحث ثانية في نماذج الحكم الإسلامي في عصوره السالفة لنتبين من ناحية عملية ما دور الحاكم ودور المجتمع المسلم في التاريخ الإسلامي . ثم نخلص من ذلك إلى هل الشكل الحالي للحكومة المعاصرة يتلاءم مع ذلك أم يختلف .
تصور المفكرين المسلمين للحكومة الإسلامية ووظيفتها أمر يحتاج إلى وقفة متأنية ونظرة فاحصة . فقد تكرر في كتب الأولين أن السلطان حارس ، وأن مهمته تدبير مهمات الدين والدنيا ، كما أشار إلى ذلك الماوردي وإمام الحرمين الجويني [4] مثلا . فالحكومة ممثلة في الإمام وأعوانه تقوم بدور القيادة والتوجيه والحراسة للمجتمع المسلم ليؤدي دوره بأكمل وجه . وحين ننظر في المسئوليات التي أنيطت بعاتق الحكومة نجدها لا تتعدى المهمات من الأمور مثل الجيش والقضاء والشرطة والبريد والأموال العامة . وقد كان المجتمع المسلم يقوم بكثير من الوظائف الأخرى مثل التعليم والصحة وغيرها . وقد كانت كثير من المؤسسات غير الحكوميه هي التي تشرف على هذه الخدمات وتديرها باستقلالية كبيرة . وقد عدد الدكتور مصطفي السباعي أكثر من ثلاثين نوعا من هذه المؤسسات في كتابه"من روائع حضارتنا". نذكر من ذلك على سبيل المثال عمارة المساجد والمدارس والمستشفيات ، وتوفير المياه بحفر الآبار وشق القنوات ، وتعبيد الطرق وصيانتها ، ورعاية الأيتام والطفولة والأمومة والعجزة والمكفوفين والفقراء ، وإقامة مساكن الحجاج والفنادق والتكايا التي تؤيي وتطعم المسافرين والمحتاجين مجانا ، وإعانة المجاهدين بالسلاح والمؤن ، والإشراف على المقابر وخدمات الدفن ، وعيادات البيطرة وإيواء الحيوانات العليلة والضالة .